الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                        معلومات الكتاب

                        إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول

                        الشوكاني - محمد بن علي بن محمد الشوكاني

                        جزء صفحة
                        الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ الْأَخْذُ بِأَقَلِّ مَا قِيلَ فَإِنَّهُ أَثْبَتَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ ، قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ : وَحَكَى بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ إِجْمَاعَ أَهْلِ النَّظَرِ عَلَيْهِ . قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ : وَحَقِيقَتُهُ أَنْ يَخْتَلِفَ الْمُخْتَلِفُونَ فِي أَمْرٍ عَلَى أَقَاوِيلَ ، فَيَأْخُذُ بِأَقَلِّهَا إِذَا لَمْ يَدُلَّ عَلَى الزِّيَادَةِ دَلِيلٌ . قَالَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ : هُوَ أَنْ يَرِدَ الْفِعْلُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - مُبَيِّنًا لِمُجْمَلٍ ، وَيُحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِهِ ، فَيُصَارُ إِلَى مَا يُوجَدُ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَقَلِّ الْجِزْيَةِ إِنَّهُ دِينَارٌ . وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ : هُوَ أَنْ يَخْتَلِفَ الصَّحَابِيُّ فِي تَقْدِيرِهِ ، فَيَذْهَبُ بَعْضُهُمْ إِلَى مِائَةٍ مَثَلًا ، وَبَعْضُهُمْ إِلَى خَمْسِينَ ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ دَلَالَةٌ تُعَضِّدُ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ صُيِّرَ إِلَيْهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَلَالَةٌ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُنَا ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَأْخُذُ بِأَقَلِّ مَا قِيلَ . وَيَقُولُ : إِنَّ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ قَالَ : إِنَّ دِيَةَ الْيَهُودِيِّ الثُّلُثُ ، وَحَكَى اخْتِلَافَ الصَّحَابَةِ فِيهِ ، وَأَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ بِالْمُسَاوَاةِ ، وَبَعْضَهُمْ قَالَ بِالثُّلُثِ فَكَانَ هَذَا أَقَلَّهَا . وَقَسَّمَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ : ( أَحَدُهُمَا ) : أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِيمَا أَصْلُهُ الْبَرَاءَةُ ، فَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي وُجُوبِ الْحَقِّ وَسُقُوطِهِ كَانَ سُقُوطُهُ أَوْلَى ; لِمُوَافَقَةِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ ، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلُ الْوُجُوبِ ، وَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي قَدْرِهِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى وُجُوبِهِ ، كَدِيَةِ الذِّمِّيِّ إِذَا وَجَبَتْ عَلَى قَاتِلِهِ ، فَهَلْ يَكُونُ الْأَخْذُ بِأَقَلِّهِ دَلِيلًا ؟ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ . ( الْقِسْمُ الثَّانِي ) : أَنْ يَكُونَ مِمَّا هُوَ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ ، كَالْجُمُعَةِ الثَّابِتِ فَرْضُهَا ، مَعَ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي عَدَدِ انْعِقَادِهَا ، فَلَا يَكُونُ الْأَخْذُ بِالْأَقَلِّ دَلِيلًا ; لِارْتِهَانِ الذِّمَّةِ بِهَا ; فَلَا تَبْرَأُ الذِّمَّةُ بِالشَّكِّ . وَهَلْ يَكُونُ الْأَخْذُ بِالْأَكْثَرِ دَلِيلًا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) : أَنَّهُ يَكُونُ دَلِيلًا ، وَلَا يُنْتَقَلُ عَنْهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ ; لِأَنَّ الذِّمَّةَ تَبْرَأُ بِالْأَكْثَرِ إِجْمَاعًا ، وَفِي الْأَقَلِّ خِلَافٌ ، فَلِذَلِكَ جَعَلَهَا الشَّافِعِيُّ تَنْعَقِدُ بِأَرْبَعِينَ ; لِأَنَّ هَذَا الْعَدَدَ أَكْثَرُ مَا قِيلَ . ( الثَّانِي ) : لَا يَكُونُ دَلِيلًا ; لِأَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ مِنَ الْخِلَافِ دَلِيلٌ ، انْتَهَى . وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْأَخْذَ بِأَقَلِّ مَا فِيهَا مُتَرَكِّبًا مِنَ الْإِجْمَاعِ وَالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ ، وَقَدْ أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ الْأَخْذَ بِأَقَلِّ مَا قِيلَ . قَالَ ابْنُ حَزْمٍ : وَإِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا أَمْكَنَ ضَبْطُ أَقْوَالِ جَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ ، وَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ ، وَحَكَى قَوْلًا بِأَنَّهُ يُؤْخَذُ بِأَكْثَرِ مَا قِيلَ ; لِيَخْرُجَ مِنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ بِيَقِينٍ . وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي التَّقْدِيرِ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ إِنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ الْأَدِلَّةِ فَفَرْضُ الْمُجْتَهِدِ ( أَنْ يَأْخُذَ ) بِمَا صَحَّ لَهُ مِنْهَا ، مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا إِنْ أَمْكَنَ ، أَوِ التَّرْجِيحِ إِنْ لَمْ يُمْكِنْ ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الزِّيَادَةَ الْخَارِجَةَ مِنْ مَخْرَجٍ صَحِيحٍ ، الْوَاقِعَةَ غَيْرَ مُنَافِيَةٍ لِلْمَزِيدِ مَقْبُولَةٌ ، يَتَعَيَّنُ الْأَخْذُ بِهَا وَالْمَصِيرُ إِلَى مَدْلُولِهَا ، وَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي التَّقْدِيرِ بِاعْتِبَارِ الْمَذَاهِبِ ، فَلَا اعْتِبَارَ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ بِمَذَاهِبِ النَّاسِ ، بَلْ هُوَ مُتَعَبِّدٌ بِاجْتِهَادِهِ ، وَمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ نَظَرُهُ ، مِنَ الْأَخْذِ بِالْأَقَلِّ ، أَوِ الْأَكْثَرِ أَوْ بِالْوَسَطِ . وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ، بَلْ هُوَ أَسِيرُ إِمَامِهِ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ دِينِهِ ، وَلَيْتَهُ لَمْ يَفْعَلْ ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا الْكَلَامَ فِي التَّقْلِيدِ فِي الْمُؤَلَّفِ الَّذِي سَمَّيْنَاهُ " أَدَبَ الطَّلَبِ " وَفِي الرِّسَالَةِ الْمُسَمَّاةِ " الْقَوْلَ الْمُفِيدَ فِي حُكْمِ التَّقْلِيدِ " .

                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                        الخدمات العلمية