الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                            جزء صفحة
                                                                            2751 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ذَكَرَ الْمَجُوسَ، فَقَالَ: مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ فِي أَمْرِهِمْ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُقُولُ: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ" قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ : اتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى إِذَا لَمْ يَكُونُوا عَرَبًا ، لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : ( قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) . وَاخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِيِّ الْعَرَبِيِّ ، وَفِي غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ كُفَّارِ الْعَجَمِ ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ عَلَى الْأَدْيَانِ لَا عَلَى الْأَنْسَابِ ، فَتُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ عَرَبًا كَانُوا أَوْ عَجَمًا ، وَلَا تُؤْخَذُ مَنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ بِحَالٍ ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَهَا مِنْ أُكَيْدِرِ دُومَةَ ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ ، يُقَالُ : مِنْ غَسَّانَ ، وَأَخَذَ مِنْ أَهْلِ ذِمَّةِ الْيَمَنِ وَعَامَّتُهُمْ عَرَبٌ ، وَمِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ وَفِيهِمْ عَرَبٌ . وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ إِلَى أَنَّهُ تُؤْخَذُ مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ ، إِلَّا الْمُرْتَدَّ ، وَفِي امْتِنَاعِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ الْمَجُوسِ حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَهَا ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رَأْيَ الصَّحَابَةِ كَانَ عَلَى أَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ مُشْرِكٍ ، إِنَّمَا تُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْهُمْ . وَاتَّفَقُوا عَلَى أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِ ، وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَإِنَّمَا أُخِذَتِ الْجِزْيَةُ مِنْهُمْ بِالسُّنَّةِ ، كَمَا أُخِذَتْ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِالْكِتَابِ ، وَقِيلَ : هُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ يَدْرُسُونَهُ ، فَأَصْبَحُوا وَقَدْ أُسْرِيَ عَلَى كِتَابِهِمْ ، فَرُفِعَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِ مُنَاكَحَةِ الْمَجُوسِ ، وَتَحْرِيمِ ذَبَائِحِهِمْ إِلَّا شَيْءٌ يُحْكَى عَنْ أَبِي ثَوْرٍ أَنَّهُ أَبَاحَهُ ، فَأَمَّا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مِنْ نَسْلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَأَجْمَعُوا عَلَى حِلِّ مُنَاكَحَتِهِمْ وَذَبَائِحِهِمْ ، لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : ( وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) ، فَأَمَّا مَنْ دَخَلَ فِي دِينِهِمْ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ نُظِرَ إِنْ دَخَلُوا فِيهِ قَبْلَ النَّسْخِ ، وَقَبْلَ التَّبْدِيلِ يُقَرُّونَ بِالْجِزْيَةِ ، وَفِي حِلِّ مُنَاكَحَتِهِمْ وَذَبَائِحِهِمُ اخْتِلَافٌ ، فَأَصَحُّ الْأَقْوَالِ حِلُّهَا ، وَإِنْ دَخَلُوا فِيهِ بَعْدَ النَّسْخِ ، أَوْ بَعْدَ التَّبْدِيلِ ، فَلَا يُقَرُّونَ بِالْجِزْيَةِ ، وَلَا تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ وَذَبَائِحُهُمْ ، وَمَنْ شَكَكْنَا فِي أَمْرِهِمْ أَنَّهُمْ دَخَلُوا فِيهِ بَعْدَ النَّسْخِ ، أَوِ التَّبْدِيلِ ، أَوْ قَبْلَهُ ، تُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ ، وَلَا تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ وَذَبَائِحُهُمْ ، لِأَنَّ أَخْذَ الْجِزْيَةِ لِحَقِّ الدَّمِ ، وَأَمْرُ الدَّمِ إِذَا دَارَ بَيْنَ الْحَقْنِ وَالْإِرَاقَةِ يُغَلَّبُ جَانِبُ الْحَقْنِ ، وَأَمْرُ الْبُضْعِ وَالذَّبِيحَةِ إِذَا تَرَدَّدَ بَيْنَ الْحِلِّ وَالتَّحْرِيمِ ، تُغَلَّبُ جِهَةُ التَّحْرِيمِ ، فَمِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ نَصَارَى الْعَرَبِ مِنْ تَنُوخَ ، وَبَهْرَا وَبَنِي تَغْلِبَ ، أَقَرَّهُمْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالْجِزْيَةِ ، وَقَالَ : مَا يَحِلُّ لَنَا ذَبَائِحُهُمْ ، وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا تَأْكُلُوا ذَبَائِحَ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَتَمَسَّكُوا مِنْ دِينِهِمْ إِلَّا بِشُرْبِ الْخَمْرِ . وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ ذَبِيحَةِ نَصَارَى الْعَرَبِ ، فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهَا . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : لَا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ نَصَارَى الْعَرَبِ ، فَإِنْ سَمِعْتَهُ يُسَمِّي لِغَيْرِ اللَّهِ ، فَلَا تَأْكُلْ ، فَإِنْ لَمْ تَسْمَعْهُ ، فَقَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ ، وَعَلِمَ كُفْرَهُمْ . . وَلَوِ انْتَقَلَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ فِي زَمَانِنَا إِلَى دِينِ أَهْلِ الْأَوْثَانِ لَا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ كَمَا لَوْ دَخَلَ وَثَنِيٌّ فِي دِينِهِمَا ، وَلَوِ انْتَقَلَ يَهُودِيٌّ إِلَى نَصْرَانِيَّةٍ ، أَوْ نَصْرَانِيٌّ إِلَى يَهُودِيَّةٍ ، فَهَلْ يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ ، وَهَلْ تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُ وَذَبِيحَتُهُ ؟ فَعَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا ، وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يُقَرُّ عَلَيْهِ ، وَيَحِلُّ نِكَاحُهُ وَذَبِيحَتُهُ ، لِأَنَّ حُكْمَ الدِّينَيْنِ وَاحِدٌ ، وَالثَّانِي : لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ اسْتَحْدَثَ دِينًا بَاطِلًا بَعْدَ مَا كَانَ مُعْتَرِفًا بِبُطْلَانِهِ ، فَأَشْبَهَ الْمُسْلِمَ يَرْتَدُّ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَلَوْ تَهَوَّدَ مَجُوسِيٌّ ، أَوْ تَمَجَّسَ يَهُودِيٌّ ، لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ وَلَا مُنَاكَحَتُهُ ، وَفِي التَّقْرِيرِ بِالْجِزْيَةِ هَذَا الِاخْتِلَافُ .

                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                            الخدمات العلمية