الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
            جزء صفحة
            مختصر ابن الحاجب ص - ( مَسْأَلَةٌ ) : الْمُخْتَارُ انْخِرَامُ الْمُنَاسَبَةِ بِمَفْسَدَةٍ تَلْزَمُ ، رَاجِحَةٍ أَوْ مُسَاوِيَةٍ . لَنَا : إِنَّ الْعَقْلَ قَاضٍ بِأَنْ لَا مَصْلَحَةَ مَعَ مَفْسَدَةٍ مِثْلِهَا . قَالُوا : الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ تُلْزِمُ مَصْلَحَةً وَمَفْسَدَةً تُسَاوِيهَا أَوْ تَزِيدُ ، وَقَدْ صَحَّتْ . قُلْنَا : مَفْسَدَةُ الْغَصْبِ لَيْسَتْ عَنِ الصَّلَاةِ ، وَبِالْعَكْسِ . وَلَوْ نَشَأَتَا مَعًا عَنِ الصَّلَاةِ ، لَمْ تَصِحَّ ، وَالتَّرْجِيحُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَسَائِلِ ، وَيُرَجَّحُ بِطَرِيقٍ إِجْمَالِيٍّ ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَدَّرْ رُجْحَانُ الْمَصْلَحَةِ ، لَزِمَ التَّعَبُّدُ بِالْحُكْمِ . بيان المختصر ش - لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْوَصْفَ إِذَا اشْتَمَلَ عَلَى مَصْلَحَةٍ خَالِصَةٍ ، أَوْ رَاجِحَةٍ عَلَى الْمَفْسَدَةِ ، يَكُونُ مُنَاسِبًا ، وَإِذَا اشْتَمَلَ الْوَصْفُ عَلَى مَصْلَحَةٍ وَمَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ أَوْ مُسَاوِيَةٍ لَهَا ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَنْخَرِمُ مُنَاسَبَتُهُ لِلْحُكْمِ . وَالدَّلِيلُ أَنَّ الْعَقْلَ يَقْضِي بِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ إِذَا كَانَتْ مَعَ مَفْسَدَةٍ مِثْلِهَا ، لَا تَكُونُ مَصْلَحَةً مَطْلُوبَةً ، وَلِهَذَا إِذَا أَخَذَ وَاحِدٌ يَسْعَى لِتَحْصِيلِ مِثْلِ هَذَا الْمَصْلَحَةِ ، يَنْسُبُهُ أَهْلُ الْعَقْلِ إِلَى السَّفَهِ . وَلَمَّا ثَبَتَ انْخِرَامُ الْمُنَاسَبَةِ ، فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْمَفْسَدَةُ مُسَاوِيَةً لِلْمَصْلَحَةِ ، يَثْبُتُ انْخِرَامُهَا فِيمَا إِذَا كَانَتْ رَاجِحَةً ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُصَنِّفُ لَهُ . الْمَانِعُونَ مِنِ انْخِرَامِ الْمُنَاسَبَةِ قَالُوا : الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ صَحِيحَةٌ ، مَعَ أَنَّهَا تَلْزَمُ مَصْلَحَةٌ وَمَفْسَدَةٌ تُسَاوِيهَا ، أَوْ تَزِيدَ عَلَيْهَا ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَرَامَ إِنْ غَلَبَ عَلَى الْحَلَالِ مُطْلَقًا ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ بَعْضٍ ، تَزِيدُ الْمَفْسَدَةُ عَلَى الْمَصْلَحَةِ ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى غَيْرِ الْوَاجِبِ كَانَتَا مُتَسَاوِيَتَيْنِ . أَجَابَ بِأَنَّ مَفْسَدَةَ الْغَصْبِ لَيْسَتْ نَاشِئَةً عَنِ الصَّلَاةِ وَبِالْعَكْسِ ، أَيْ : مَصْلَحَةُ الصَّلَاةِ لَيْسَتْ نَاشِئَةً عَنِ الْغَصْبِ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَكُونُ إِلَّا لِمَصْلَحَةٍ خَالِصَةٍ . وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ الْمَصْلَحَةَ وَالْمَفْسَدَةَ نَشَأَتَا مِنَ الصَّلَاةِ ، لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ ، بَلْ تَكُونُ فَاسِدَةً . وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ مِنْ تَرْجِيحٍ ، فَعَلَى الْمُسْتَدِلِّ أَنْ يُرَجِّحَ الْوَصْفَ . وَالتَّرْجِيحُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَسَائِلِ ، فَإِنَّ التَّرْجِيحَ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ قَدْ يَكُونُ فِي غَايَةِ الظُّهُورِ ، وَقَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَحْتَاجُ إِلَى أَدْنَى تَأَمُّلٍ ، وَقَدْ يَحْتَاجُ إِلَى نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ . وَلِلْمُسْتَدِلِّ تَرْجِيحٌ إِجْمَالِيٌّ يَطَّرِدُ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنِ الْمَصْلَحَةُ رَاجِحَةً عَلَى مَا عَارَضَهَا مِنَ الْمَفْسَدَةِ ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ بِمُجَرَّدِ التَّعَبُّدِ ; لِأَنَّا بَحَثْنَا وَلَمْ نَجِدْ مَصْلَحَةً أُخْرَى تَصْلُحُ لِلْعِلِّيَّةِ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْغَيْرِ ، وَثُبُوتُ الْحُكْمِ بِمُجَرَّدِ التَّعَبُّدِ خِلَافُ الْأَصْلِ .

            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


            الخدمات العلمية