الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
            جزء صفحة
            مختصر ابن الحاجب ص - قَالُوا : لَوْ لَمْ يَجِبْ - لَصَحَّ دُونَهُ ، وَلَمَا وَجَبَ التَّوَصُّلُ إِلَى الْوَاجِبِ . وَالتَّوَصُّلُ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ . وَأُجِيبَ : إِنْ أُرِيدَ بِـ " لَا يَصِحُّ " وَ " وَاجِبٌ " لَا بُدَّ مِنْهُ - فَمُسَلَّمٌ . وَإِنْ أُرِيدَ مَأْمُورٌ بِهِ - فَأَيْنَ دَلِيلُهُ ؟ [ وَإِنْ سُلِّمَ الْإِجْمَاعُ فَفِي ] الْأَسْبَابِ بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ . بيان المختصر ش - اعْلَمْ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ وُجُوبَ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ وُجُوبَ مَا لَا يَتِمُّ إِلَّا بِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ شَرْطًا أَوْ غَيْرَهُ ، قَدْ تَمَسَّكُوا بِوَجْهَيْنِ . أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْوَاجِبُ ، شَرْطًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ، لَصَحَّ الْفِعْلُ الْوَاجِبُ بِدُونِهِ . وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ . أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّ الْآتِيَ بِالْفِعْلِ الْوَاجِبِ يَكُونُ آتِيًا بِجَمِيعِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ ، وَالْإِتْيَانُ بِجَمِيعِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ يُوجِبُ الصِّحَّةَ . وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْفِعْلُ صَحِيحًا دُونَهُ ، لَزِمَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِهِ . وَلَمَّا كَانَ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ بَاطِلًا كَانَ الْقَوْلُ بِعَدَمِ صِحَّةِ الْفِعْلِ دُونَ بَاطِلًا . وَأَمَّا انْتِفَاءُ التَّالِي فَبِالِاتِّفَاقِ . الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْوَاجِبُ ، شَرْطًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ، لَمَا وَجَبَ التَّوَصُّلُ إِلَى الْوَاجِبِ ; لِأَنَّ التَّوَصُّلَ إِلَى الْوَاجِبِ بِهِ ، وَالتَّقْدِيرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ . وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ . أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّهُ إِنْ أَرَادُوا بِقَوْلِهِمْ إِنَّهُ " لَا يَصِحُّ الْوَاجِبُ بِدُونِهِ " فِي نَفْيِ تَالِي الْمُلَازَمَةِ الْأُولَى ، وَبِقَوْلِهِمْ : " وَجَبَ التَّوَصُّلُ بِهِ إِلَى الْوَاجِبِ " فِي نَفْيِ تَالِي الْمُلَازَمَةِ الثَّانِيَةِ : أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي تَحْصِيلِ الْوَاجِبِ ، فَنَفْيُ التَّالِي مُسَلَّمٌ . وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ صِدْقَ الْمُلَازَمَةِ ; فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْهُ بُدٌّ ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ . وَإِنْ أَرَادُوا بِهِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ ، فَأَيْنَ دَلِيلُهُمْ عَلَى هَذَا . وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّ التَّوَصُّلَ إِلَى الْوَاجِبِ وَاجِبٌ ، لَكِنَّهُ إِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْأَسْبَابِ بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ ، وَهُوَ الْإِجْمَاعُ ، لَا لِنَفْسِ وُجُوبِ الْفِعْلِ . وَفِي هَذَا الْجَوَابِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَمَّا أَوَّلًا ; فَلِأَنَّهُ كُلُّ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مُمْتَنِعٌ تَرْكُهُ ، وَكُلُّ مَا هُوَ مُمْتَنِعٌ تَرْكُهُ فَهُوَ وَاجِبٌ ، وَكُلُّ وَاجِبٍ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ . وَأَمَّا ثَانِيًا ; فَلِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْأَسْبَابِ وَغَيْرِهَا بِأَنَّهَا يَجِبُ التَّوَصُّلُ بِهَا إِلَى الْوَاجِبِ دُونَ غَيْرِهَا ، تَحَكُّمٌ مَحْضٌ . إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْحَقَّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ ، وَهُوَ أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ ، شَرْطًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ، فَهُوَ وَاجِبٌ . بَيَانُهُ أَنَّ إِيجَابَ الشَّيْءِ مُطْلَقًا ، إِيجَابٌ لَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ ; فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقْتَضِيًا لِوُجُوبِ الْمُقَدِّمَةِ وَكَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ حَالَ عَدَمِ الْمُقَدِّمَةِ ، لَزِمَ التَّكْلِيفُ بِهِ حَالَ عَدَمِهَا ، وَهُوَ مُحَالٌ . فَإِنْ قِيلَ : لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ التَّكْلِيفِ بِهِ حَالَ عَدَمِ الْمُقَدِّمَةِ ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَ عَدَمُ وُجُوبِ الْمُقَدِّمَةِ يُوجِبُ عَدَمَهَا ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ . أُجِيبَ بِأَنَّ إِيجَابَ الشَّيْءِ مُطْلَقًا يَسْتَلْزِمُ إِيجَابَهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ . وَمِنْ جُمْلَتِهَا الْحَالَةُ الَّتِي عُدِمَتْ فِيهَا الْمُقَدِّمَةُ ، فَيَلْزَمُ إِيجَابُهُ حَالَ الْمُقَدِّمَةِ ، وَهُوَ تَكْلِيفٌ بِالْمُحَالِ . وَأَيْضًا عَدَمُ إِيجَابِ الْمُقَدِّمَةِ وَإِنْ لَمْ يُوجِبْ عَدَمَهَا ، لَكِنَّهُ يُجَوِّزُهُ فَيُلْزَمُ مِنْهُ جَوَازُ الْمُحَالِ . فَإِنْ قِيلَ : لَا نُسَلِّمُ أَنَّ إِيجَابَهُ مُطْلَقًا يَسْتَدْعِي إِيجَابَ الْمُقَدِّمَةِ ; إِذْ مِنَ الْجَائِزِ تَقَيُّدُهُ بِوَقْتِ حُصُولِ الْمُقَدِّمَةِ . فَإِنْ قُلْتَ : إِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ لِوُرُودِ الْأَمْرِ مُطْلَقًا ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ . قُلْتُ : يَلْزَمُكَ أَيْضًا خِلَافُ الظَّاهِرِ ; لِأَنَّكَ تُوجِبُ الْمُقَدِّمَةَ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةِ إِيجَابِ الشَّيْءِ عَلَيْهِ . فَالْجَوَابُ ، أَنَّ إِيجَابَ الْمُقَدِّمَةِ أَمْرٌ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ ، لَا نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا . فَلَمْ يَكُنْ خِلَافَ الظَّاهِرِ . التَّقْيِيدُ بِوَقْتِ وُجُوبِ الْمُقَدِّمَةِ يَنْفِيهِ اللَّفْظُ ; لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ عَلَى كُلِّ حَالٍ . فَتَقْيِيدُهُ بِوَقْتِ وُجُوبِ الشَّرْطِ يُنَافِيهِ ، فَيَكُونُ خِلَافَ الظَّاهِرِ ; لِأَنَّ خِلَافَ الظَّاهِرِ إِثْبَاتُ مَا يَنْفِيهِ اللَّفْظُ ، أَوْ رَفْعُ مَا أَثْبَتَهُ اللَّفْظُ . وَمَا لَا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ ، لَا يَكُونُ إِثْبَاتُهُ وَنَفْيُهُ مُخَالَفَةً لِلظَّاهِرِ .

            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


            الخدمات العلمية