الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَقَالَ عَمْرٌو النَّاقِدُ: قُلْتُ لِلدَّرَاوَرْدِيِّ مَا تَقُولُ فِي الْوَاقِدِيِّ؟ فَقَالَ: تَسْأَلُنِي عَنِ الْوَاقِدِيِّ؟! سَلِ الْوَاقِدِيَّ عَنِّي. وَذَكَرَ الدَّارَوَرْدِيُّ ، الْوَاقِدِيَّ فَقَالَ: ذَلِكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ. وَسُئِلَ أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ فَقَالَ. نَحْنُ نُسْأَلُ عَنِ الْوَاقِدِيِّ: إِنَّمَا يُسْأَلُ هُوَ عَنَّا، مَا كَانَ يُفِيدُنَا الْأَحَادِيثَ وَالشُّيُوخَ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا الْوَاقِدِيُّ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: لَقَدْ كَانَتْ أَلْوَاحِي تَضِيعُ، فَأُؤْتَى بِهَا مِنْ شُهْرَتِهَا بِالْمَدِينَةِ. يُقَالُ: هَذِهِ أَلْوَاحُ ابْنِ وَاقِدٍ. وَقَالَ مُصْعَبُ الزُّبَيْرِيُّ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِثْلَهُ قَطُّ. قَالَ مُصْعَبٌ: وَحَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ: كُنْتُ أَقْدَمُ الْمَدِينَةَ فَمَا يُفِيدُنِي وَلَا يَدُلُّنِي عَلَى الشُّيُوخِ إِلَّا الْوَاقِدِيُّ. وَقَالَ مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى مَا كَتَبْتُ عَنْ أَحَدٍ أَحْفَظَ مِنْهُ. وَسُئِلَ عَنْهُ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ، فَقَالَ: ثِقَةٌ مَأْمُونٌ. وَكَذَلِكَ قَالَ الْمُسَيِّبِيُّ. وَسُئِلَ عَنْهُ مَعْنُ بْنُ عِيسَى، فَقَالَ: أَنَا أُسْأَلُ عَنْهُ؟! هُوَ يُسْأَلُ عَنِّي. وَسُئِلَ عَنْهُ أَبُو يَحْيَى الزُّهْرِيُّ، فَقَالَ: ثِقَةٌ مَأْمُونٌ. وَسُئِلَ عَنْهُ ابْنُ نُمَيْرٍ فَقَالَ: أَمَّا حَدِيثُهُ عَنَّا فَمُسْتَوٍ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَهُمْ أَعْلَمُ بِهِ. وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: ثِقَةٌ. وَقَالَ عَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ: هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: ثِقَةٌ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَأَمَّا فِقْهُ أَبِي عُبَيْدٍ فَمِنْ كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْوَاقِدِيِّ، الِاخْتِلَافُ وَالْإِجْمَاعُ كَانَ عِنْدَهُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: مَنْ قَالَ أَنَّ مَسَائِلَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ تُؤْخَذُ عَمَّنْ هُوَ أَوْثَقُ مِنَ الْوَاقِدِيِّ فَلَا يُصَدَّقُ لِأَنَّهُ يَقُولُ سَأَلْتُ مَالِكًا وَسَأَلْتُ ابْنَ أَبِي ذِئْبٍ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَابِرٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: كَتَبَ أَبِي ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ثَلَاثَةَ قَمَاطِرَ. قُلْتُ لَهُ: كَانَ يَنْظُرُ فِيهَا؟ قَالَ: كَانَ رُبَّمَا نَظَرَ فِيهَا، وَكَانَ أَكْثَرُ نَظَرِهِ فِي كُتُبِ الْوَاقِدِيِّ. وَسُئِلَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ عَمَّا أَنْكَرَهُ أَحْمَدُ عَلَى الْوَاقِدِيِّ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ جَمْعَهُ الْأَسَانِيدَ وَمَجِيئَهُ بِالْمَتْنِ وَاحِدًا. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَلَيْسَ هَذَا عَيْبًا، فَقَدْ فَعَلَ هَذَا الزُّهْرِيُّ ، وَابْنُ إِسْحَاقَ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَمْ يَزَلْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يُوَجِّهُ فِي كُلِّ جُمْعَةٍ بِحَنْبَلِ بْنِ إِسْحَاقَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، فَيَأْخُذُ لَهُ جُزْأَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الْوَاقِدِيِّ، فَيَنْظُرُ فِيهِمَا ثُمَّ يَرُدُّهُمَا وَيَأْخُذُ غَيْرَهُمَا. وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَنْسُبُهُ لِتَقْلِيبِ الْأَخْبَارِ كَأَنَّهُ يَجْعَلُ مَا لِمَعْمَرٍ ، لِابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، وَمَا لِابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ ، لِمَعْمَرٍ. وَأَمَّا الْكَلَامُ فِيهِ فَكَثِيرٌ جِدًّا قَدْ ضُعِّفَ وَنُسِبَ إِلَى وَضْعِ الْحَدِيثِ، وَقَالَ أَحْمَدُ: هُوَ كَذَّابٌ، وَقَالَ يَحْيَى: لَيْسَ بِثِقَةٍ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ ، وَالرَّازِّيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ: مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ. وَلِلنَّسَائِيِّ فِيهِ كَلَامٌ أَشَدُّ مِنْ هَذَا. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: ضَعِيفٌ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: أَحَادِيثُهُ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ وَالْبَلَاءُ مِنْهُ. قُلْتُ: سَعَةُ الْعِلْمِ مَظِنَّةٌ لِكَثْرَةِ الْإِغْرَابِ، وَكَثْرَةُ الْإِغْرَابِ مَظِنَّةٌ لِلتُّهْمَةِ. وَالْوَاقِدِيُّ غَيْرُ مَدْفُوعٍ عَنْ سَعَةِ الْعِلْمِ، فَكَثُرَتْ بِذَلِكَ غَرَائِبُهُ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لِلْوَاقِدِيِّ عِشْرُونَ أَلْفَ حَدِيثٍ لَمْ نَسْمَعْ بِهَا. وَعَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ: أَغْرَبَ الْوَاقِدِيُّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عِشْرِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنْهُ مِنْ تَتَبُّعِهِ آثَارَ مَوَاضِعِ الْوَقَائِعِ وَسُؤَالِهِ مِنْ أَبْنَاءِ الصَّحَابَةِ وَالشُّهَدَاءِ وَمَوَالِيهِمْ عَنْ أَحْوَالِ سَلَفِهِمْ مَا يَقْتَضِي انْفِرَادًا بِرُوَاةٍ وَأَخْبَارٍ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْحَصْرِ، وَكَثِيرًا مَا يَطْعَنُ فِي الرَّاوِي بِرِوَايَةٍ وَقَعَتْ لَهُ: مَنْ أَنْكَرَ تِلْكَ الرِّوَايَةَ عَلَيْهِ وَاسْتَغْرَبَهَا مِنْهُ، ثُمَّ يَظْهَرُ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ بِمُتَابَعَةِ مُتَابِعٍ أَوْ سَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ، بَرَاءَتُهُ مِنْ مُقْتَضَى الطَّعْنِ فَيَتَخَلَّصُ بِذَلِكَ مِنَ الْعُهْدَةِ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَا زِلْنَا نُدَافِعُ أَمْرَ الْوَاقِدِيِّ حَتَّى رَوَى: عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ نَبْهَانَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا؟". فَجَاءَ بِشَيْءٍ لَا حِيلَةَ فِيهِ. وَالْحَدِيثُ حَدِيثُ يُونُسَ لَمْ يَرْوِهُ غَيْرُهُ. وَرُوِّينَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيِّ: قَدِمَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ بَغْدَادَ سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَتَيْنِ وَالْوَاقِدِيُّ يَوْمَئِذٍ قَاضٍ عَلَيْنَا، وَكُنْتُ أَطُوفُ مَعَ عَلِيٍّ عَلَى الشُّيُوخِ الَّذِينَ يَسْمَعُ مِنْهُمْ، فَقُلْتُ: أَتُرِيدُ أَنْ تَسْمَعَ مِنَ الْوَاقِدِيِّ؟ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، لَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَسْمَعَ مِنْهُ. فَكَتَبَ إِلَيَّ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: كَيْفَ تَسْتَحِلُّ الرِّوَايَةَ عَنْ رَجُلٍ رَوَى عَنْ مَعْمَرٍ حَدِيثَ نَبْهَانَ مُكَاتَبِ أُمِّ سَلَمَةَ. وَهَذَا حَدِيثُ يُونُسَ تَفَرَّدَ بِهِ؟! قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ: فَقَدِمْتُ مِصْرَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَانَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ يُحَدِّثُنَا بِهِ عَنْ نَافِعِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ نَبْهَانَ، وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ يَزِيدَ كَرِوَايَةِ الرَّمَادِيِّ. قَالَ الرَّمَادِيُّ: فَلَمَّا فَرَغَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ضَحِكْتُ، فَقَالَ: مِمَّ تَضْحَكُ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ عَلِيٌّ وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ. فَقَالَ لِي ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: إِنَّ شُيُوخَنَا الْمِصْرِيِّينَ لَهُمْ عِنَايَةٌ بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ. وَكَانَ الرَّمَادِيُّ يَقُولُ: هَذَا مِمَّا ظُلِمَ فِيهِ الْوَاقِدِيُّ. فَقَدْ ظَهَرَ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ يُونُسَ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ، وَإِذْ قَدْ تَابَعَهُ عُقَيْلٌ فَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يُتَابِعَهُ مَعْمَرٌ، وَحَتَّى لَوْ لَمْ يُتَابِعْهُ عُقَيْلٌ لَكَانَ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا، وَقَدْ يَكُونُ فِيمَا رُمِيَ بِهِ مِنْ تَقْلِيبِ الْأَخْبَارِ مَا يَنْحُو هَذَا النَّحْوَ. وَقَدْ أَثْبَتْنَا مِنْ كَلَامِ النَّاسِ فِي الْوَاقِدِيِّ مَا يُعْرَفُ بِهِ حَالُهُ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ. وَرُبَّمَا حَصَلَ إِعْلَامٌ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ بِغَرِيبٍ يُوجَدُ فِي الْخَبَرِ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى مُشْكِلٍ يَقَعُ فِيهِ مَتْنًا أَوْ إِسْنَادًا عَلَى وَجْهِ الْإِيمَاءِ وَالْإِشَارَةِ لَا عَلَى سَبِيلِ التَّقَصِّي وَبَسْطِ الْعِبَارَةِ. وَسَمَّيْتُهُ بِعُيُونِ الْأَثَرِ فِي فُنُونِ الْمَغَازِي وَالشَّمَائِلِ وَالسِّيَرِ. وَاللَّهَ الْمَسْؤُولَ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ خَالِصًا، وَأَنْ يُؤْوِيَنَا إِلَى ظِلِّهِ إِذَا الظِّلُّ أَضْحَى فِي الْقِيَامَةِ قَالِصًا، بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية