الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ثُمَّ بَعْدَ هَذَا الِاتِّفَاقِ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ اخْتَلَفُوا خِلَافًا لَفْظِيًّا ، لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَسَادٌ ، وَهُوَ : أَنَّهُ هَلْ يَكُونُ الْكُفْرُ عَلَى مَرَاتِبَ ، كُفْرًا دُونَ كُفْرٍ ؟ كَمَا اخْتَلَفُوا : هَلْ يَكُونُ الْإِيمَانُ عَلَى مَرَاتِبَ ، إِيمَانًا دُونَ إِيمَانٍ ؟ وَهَذَا اخْتِلَافٌ نَشَأَ مِنَ اخْتِلَافِهِمْ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ : هَلْ هُوَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ ، أَمْ لَا ؟ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ كَافِرًا نُسَمِّيهِ كَافِرًا ، إِذْ مِنَ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْحَاكِمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزِلَ اللَّهُ كَافِرًا ، وَيُسَمِّيَ رَسُولُهُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ كَافِرًا - وَلَا نُطْلِقُ عَلَيْهِمَا اسْمَ الْكُفْرِ . وَلَكِنْ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ ، قَالَ : هُوَ كُفْرٌ عَمَلِيٌّ لَا اعْتِقَادِيٌّ ، وَالْكُفْرُ عِنْدَهُ عَلَى مَرَاتِبَ ، كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ ، كَالْإِيمَانِ عِنْدَهُ . وَمَنْ قَالَ : إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ ، وَلَا يَدْخُلُ الْعَمَلُ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ ، وَالْكُفْرُ هُوَ الْجُحُودُ ، وَلَا يَزِيدَانِ وَلَا يَنْقُصَانِ ، قَالَ : هُوَ كُفْرٌ مَجَازِيٌّ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ، إِذِ الْكُفْرُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ الَّذِي يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ . وَكَذَلِكَ يَقُولُ فِي تَسْمِيَةِ بَعْضِ الْأَعْمَالِ بِالْإِيمَانِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [ الْبَقَرَةِ : 143 ] أَيْ صَلَاتَكُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، إِنَّهَا سُمِّيَتْ إِيمَانًا مَجَازًا ، لِتَوَقُّفِ صِحَّتِهَا عَنِ الْإِيمَانِ ، أَوْ لِدِلَالَتِهَا عَلَى الْإِيمَانِ ، إِذْ هِيَ دَالَّةٌ عَلَى كَوْنِ مُؤَدِّيهَا مُؤْمِنًا . وَلِهَذَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِ الْكَافِرِ إِذَا صَلَّى صَلَاتَنَا . فَلَيْسَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأُمَّةِ نِزَاعٌ فِي أَصْحَابِ الذُّنُوبِ ، إِذَا كَانُوا مُقِرِّينَ بَاطِنًا وَظَاهِرًا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَمَا تَوَاتَرَ عَنْهَمْ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْوَعِيدِ . وَلَكِنَّ الْأَقْوَالَ الْمُنْحَرِفَةَ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ بِتَخْلِيدِهِمْ فِي النَّارِ ، كَالْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ . وَلَكِنَّ أَرْدَأَ مَا فِي ذَلِكَ التَّعَصُّبُ مِنْ بَعْضِهِمْ ، وَإِلْزَامُهُ لِمَنْ يُخَالِفُ قَوْلَهُ بِمَا لَا يَلْزَمُهُ ، وَالتَّشْنِيعُ عَلَيْهِ ! وَإِذَا كُنَّا مَأْمُورِينَ بِالْعَدْلِ فِي مُجَادَلَةِ الْكَافِرِينَ ، وَأَنْ يُجَادَلُوا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، فَكَيْفَ لَا يَعْدِلُ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْخِلَافِ ؟ ! قَالَ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى الْآيَةَ . [ الْمَائِدَةِ : 8 ] وَهُنَا أَمْرٌ يَجِبُ أَنْ يُتَفَطَّنَ لَهُ ، وَهُوَ : أَنَّ الْحُكْمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ ، وَقَدْ يَكُونُ مَعْصِيَةً : كَبِيرَةً أَوْ صَغِيرَةً ، وَيَكُونُ كُفْرًا : إِمَّا مَجَازِيًّا ، وَإِمَّا كُفْرًا أَصْغَرَ ، عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ . وَذَلِكَ بِحَسَبِ حَالِ الْحَاكِمِ : فَإِنَّهُ إِنِ اعْتَقَدَ أَنَّ الْحُكْمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ ، وَأَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِيهِ ، أَوِ اسْتَهَانَ بِهِ مَعَ تَيَقُّنِهِ أَنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ - : فَهَذَا كَفْرٌ أَكْبَرُ . وَإِنِ اعْتَقَدَ وُجُوبَ الْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ، وَعَلِمَهُ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ ، وَعَدَلَ عَنْهُ مَعَ اعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْعُقُوبَةِ ، فَهَذَا عَاصٍ ، وَيُسَمَّى كَافِرًا كُفْرًا مَجَازِيًّا ، أَوْ كُفْرًا أَصْغَرَ . وَإِنْ جَهِلَ حُكْمَ اللَّهِ فِيهَا ، مَعَ بَذْلِ جُهْدِهِ وَاسْتِفْرَاغِ وُسْعِهِ فِي مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ وَأَخْطَأَهُ ، فَهَذَا مُخْطِئٌ ، لَهُ أَجْرٌ عَلَى اجْتِهَادِهِ ، وَخَطَؤُهُ مَغْفُورٌ . وَأَرَادَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ : وَلَا نَقُولُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ لِمَنْ عَمِلَهُ - مُخَالَفَةَ الْمُرْجِئَةِ . وَشُبْهَتُهُمْ كَانَتْ قَدْ وَقَعَتْ لِبَعْضِ الْأَوَّلِينَ ، فَاتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى قَتْلِهِمْ إِنْ لَمْ يَتُوبُوا مِنْ ذَلِكَ . فَإِنَّ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ شَرِبَ الْخَمْرَ بَعْدَ تَحْرِيمِهَا هُوَ وَطَائِفَةٌ ، وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ تَعَالَى : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [ الْمَائِدَةِ : 93 ] الْآيَةَ . فَلَمَّا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، اتَّفَقَ هُوَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّهُمْ إِنِ اعْتَرَفُوا بِالتَّحْرِيمِ جُلِدُوا ، وَإِنْ أَصَرُّوا عَلَى اسْتِحْلَالِهَا قُتِلُوا . وَقَالَ عُمَرُ لِقُدَامَةَ : أَخْطَأَتِ اسْتُكَ الْحُفْرَةَ ، أَمَا إِنَّكَ لَوِ اتَّقَيْتَ وَآمَنْتَ وَعَمِلْتَ الصَّالِحَاتِ لَمْ تَشْرَبِ الْخَمْرَ . وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمَّا حَرَّمَ الْخَمْرَ ، وَكَانَ تَحْرِيمُهَا بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ ، قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ : فَكَيْفَ بِأَصْحَابِنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ ؟ فَأَنْزِلُ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ ، بَيَّنَ فِيهَا أَنَّ مَنْ طَعِمَ الشَّيْءَ فِي الْحَالِ الَّتِي لَمْ يُحَرَّمْ فِيهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ الْمُصْلِحِينَ ، كَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ . ثُمَّ إِنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ نَدِمُوا وَعَلِمُوا أَنَّهُمْ أَخْطَأُوا وَأَيِسُوا مِنَ التَّوْبَةِ . فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى قُدَامَةَ يَقُولُ لَهُ : حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ [ غَافِرٍ : 1 - 3 ] . مَا أَدْرِي أَيُّ ذَنْبَيْكَ أَعْظَمُ ؟ اسْتِحْلَالُكَ الْمُحَرَّمَ أَوَّلًا ؟ أَمْ يَأْسُكَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ثَانِيًا ؟ وَهَذَا الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية