الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَأَمَّا اخْتِلَافُ النَّاسِ فِي مُسَمَّى النَّفْسِ وَالرُّوحِ : هَلْ هَمَّا مُتَغَايِرَانِ ، أَوْ مُسَمَّاهُمَا وَاحِدٌ ؟ فَالتَّحْقِيقُ : أَنَّ النَّفْسَ تُطْلَقُ عَلَى أُمُورٍ ، وَكَذَلِكَ الرُّوحُ ، فَيَتَّحِدُ مَدْلُولُهُمَا تَارَةً ، وَيَخْتَلِفُ تَارَةً . فَالنَّفْسُ تُطْلَقُ عَلَى الرُّوحِ ، وَلَكِنْ غَالِبُ مَا يُسَمَّى نَفْسًا إِذَا كَانَتْ مُتَّصِلَةً بِالْبَدَنِ ، وَأَمَّا إِذَا أُخِذَتْ مُجَرَّدَةً فَتَسْمِيَةُ الرُّوحِ أَغْلَبُ عَلَيْهَا . وَيُطْلَقُ عَلَى الدَّمِ ، فَفِي الْحَدِيثِ : مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً لَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ إِذَا مَاتَ فِيهِ . وَالنَّفْسُ : الْعَيْنُ ، يُقَالُ : أَصَابَتْ فُلَانًا نَفْسٌ ، أَيْ عَيْنٌ . وَالنَّفْسُ : الذَّاتُ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ [ النُّورِ : 61 ] لَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ النِّسَاءِ : 29 ] وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَأَمَّا الرُّوحُ فَلَا يُطْلَقُ عَلَى الْبَدَنِ ، لَا بِانْفِرَادِهِ ، وَلَا مَعَ النَّفْسِ . وَتُطْلَقُ الرُّوحُ عَلَى الْقُرْآنِ ، وَعَلَى جِبْرِيلَ ، وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا [ الشُّورَى : 52 ] . نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [ الشُّعَرَاءِ : 193 ] . وَيُطْلَقُ الرُّوحُ عَلَى الْهَوَاءِ الْمُتَرَدِّدِ فِي بَدَنِ الْإِنْسَانِ أَيْضًا . وَأَمَّا مَا يُؤَيِّدُ اللَّهُ بِهِ أَوْلِيَاءَهُ ، فَهِيَ رُوحٌ أُخْرَى ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [ الْمُجَادَلَةِ : 22 ] . وَكَذَلِكَ الْقُوَى الَّتِي فِي الْبَدَنِ ، فَإِنَّهَا أَيْضًا تُسَمَّى أَرْوَاحًا ، فَيُقَالُ : الرُّوحُ الْبَاصِرُ ، وَالرُّوحُ السَّامِعُ ، وَالرُّوحُ الشَّامُّ . وَتُطْلَقُ الرُّوحُ عَلَى أَخَصِّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ ، وَهُوَ : قُوَّةُ الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ ، وَالْإِنَابَةُ إِلَيْهِ وَمَحَبَّتُهُ وَانْبِعَاثُ الْهِمَّةِ إِلَى طَلَبِهِ وَإِرَادَتِهِ . وَنِسْبَةُ هَذِهِ الرُّوحِ إِلَى الرُّوحِ ، كَنِسْبَةِ الرُّوحِ إِلَى الْبَدَنِ ، فَلِلْعِلْمِ رُوحٌ ، وَلِلْإِحْسَانِ رُوحٌ ، وَلِلْمَحَبَّةِ رُوحٌ ، وَلِلتَّوَكُّلِ رُوحٌ ، وَلِلصِّدْقِ رُوحٌ . وَالنَّاسُ مُتَفَاوِتُونَ فِي هَذِهِ الْأَرْوَاحِ : فَمِنَ النَّاسِ مَنْ تَغْلِبُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْأَرْوَاحُ فَيَصِيرُ رُوحَانِيًّا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْقِدُهَا أَوْ أَكْثَرَهَا فَيَصِيرُ أَرْضِيًّا بَهِيمِيًّا . وَقَدْ وَقَعَ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ ثَلَاثَةَ أَنْفُسٍ : مُطْمَئِنَّةٍ ، وَلَوَّامَةٍ ، وَأَمَّارَةٍ ، قَالُوا : وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ تَغْلِبُ عَلَيْهِ هَذِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَغْلِبُ عَلَيْهِ هَذِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [ الْفَجْرِ : 27 ] . وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ [ الْقِيَامَةِ : 2 ] . إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [ يُوسُفَ : 53 ] .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية