الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ ، عَنْ دَاوُدَ . وَقَوْلُهُ: وَتَخْشَى النَّاسَ تَخَافُ لَائِمَتَهُمْ أَنْ يَقُولُوا أَمَرَ رَجُلًا بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ ثُمَّ نَكَحَهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُطَلِّقَهَا مِنْ حَيْثُ مَيْلُ الْقَلْبِ، وَلَكِنَّهُ خَافَ قَالَةَ النَّاسِ، وَقَالَ عَطَاءٌ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الْمُرَادُ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْيَهُودُ، خَشِيَ أَنْ يَقُولُوا تَزَوَّجَ مُحَمَّدٌ امْرَأَةَ ابْنِهِ. وَقَوْلُهُ: وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ أَيْ: هُوَ أَوْلَى بِأَنْ تَخْشَاهُ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ وَجَمِيعِ الْأُمُورِ، لَيْسَ أَنَّهُ لَمْ يَخْشَ اللَّهَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ خَشْيَتَهُ مِنَ النَّاسِ ذَكَرَ خَشْيَةَ اللَّهِ، وَأَنَّهُ أَحَقُّ بِالْخَشْيَةِ مِنْهُمْ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَعْلَمَ نَبِيَّهُ أَنَّ زَيْنَبَ تَكُونُ مِنْ أَزْوَاجِهِ، وَأَنَّ زَيْدًا سَيُطَلِّقُهَا، وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُعَاتَبًا عَلَى قَوْلِهِ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهَا سَتَكُونُ زَوْجَتَهُ، وَكِتْمَانِهِ مَا أَخْبَرَهُ اللَّهُ بِهِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ أَيْ: فِي كِتْمَانِ مَا أَخْبَرَكَ، وَإِنَّمَا كَتَمَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَقُولَ لِزَيْدٍ : زَوْجَتُكَ سَتَكُونُ امْرَأَتِي. وَقَوْلُهُ: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا مَعْنَى قَضَاءِ الْوَطَرِ فِي اللُّغَةِ: بُلُوغُ مُنْتَهَى مَا بِالنَّفْسِ مِنَ الشَّيْءِ، يُقَالُ: قَضَى وَطَرًا مِنْهَا إِذَا بَلَغَ مَا أَرَادَ مِنْ حَاجَتِهِ فِيهَا، وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ : أَيُّهَا الرَّابِحُ الْمَجْدَ ابْتِكَارًا قَدْ قَضَى مِنْ تِهَامَةَ الْأَوْطَارَا أَيْ: فَرَغَ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ وَبَلَغَ مَا أَرَادَ مِنْهُ ثُمَّ صَارَ، عِبَارَةٌ عَنِ الطَّلَاقِ، وَلِأَنَّ الرَّجُلَ إِنَّمَا يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ إِذَا لَمْ تَعُدْ لَهُ فِيهَا حَاجَةٌ. وَرَوَى ثَابِتٌ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ: لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِزَيْدٍ : اذْهَبْ فَاذْكُرْهَا عَلَيَّ. قَالَ زَيْدٌ : فَانْطَلَقْتُ، فَقُلْتُ: يَا زَيْنَبَ أَبْشِرِي، أَرْسَلَنِي نَبِيُّ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَذْكُرُكِ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ. وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَخَلَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (زَوَّجْنَاكَهَا) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِكَاحَهَا فَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنِ الْوَلِيِّ وَالشُّهُودِ، وَكَانَتْ زَيْنَبُ تُفَاخِرُ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أَهْلُوكُنَّ وَزَوَّجَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْفَقِيهُ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ ، أَنَا أَبِي ، أَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ، نَا الْحَسَنُ بْنُ الْوَلِيدِ ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَهْمَانَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ: كَانَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ تَفْخَرُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَقُولُ: زَوَّجَنِي اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ، وَأَوْلَمَ عَلَيْهَا، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِخُبْزٍ وَلَحْمٍ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ خَلَّادِ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَهْمَانَ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: ذَكَرَ قَضَاءَ الْوَطَرِ هَاهُنَا بَيَانًا أَنَّ امْرَأَةَ الْمُتَبَنَّى تَحِلُّ وَإِنْ وَطِئَهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ أَيْ: زَوَّجْنَاكَ زَيْنَبَ ، وَهِيَ امْرَأَةُ زَيْدٍ الَّذِي تَبَنَّيْتَهُ، لِكَيْلَا يُظَنَّ أَنَّ امْرَأَةَ الْمُتَبَنَّى لَا يَحِلُّ نِكَاحُهَا، وَالْأَدْعِيَاءُ جَمْعُ الدَّعِيِّ، وَهُوَ الَّذِي يُدْعَى ابْنًا مِنْ غَيْرِ وِلَادَةٍ. قَالَ الْحَسَنُ : كَانَتِ الْعَرَبُ تَظُنُّ أَنَّ حُرْمَةَ الْمُتَبَنَّى كَحُرْمَةِ الِابْنِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ أَنَّ حَلَائِلَ الْأَدْعِيَاءِ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ عَلَى الْمُتَبَنِّي وَإِنْ أَصَابُوهُنَّ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا بِخِلَافِ ابْنِ الصَّلْتِ ، فَإِنَّ امْرَأَتَهُ تَحْرُمُ بِنَفْسِ الْقَصْدِ، وَقَوْلُهُ: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا يَعْنِي: قَضَاءَ اللَّهِ فِي زَيْنَبَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَاضِيًا مَفْعُولًا، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَرَجٌ فِي هَذَا النِّكَاحِ بِقَوْلِهِ: مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ، أَيْ: لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيمَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ، سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ سَنَّ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي التَّوْسِعَةِ عَلَيْهِ فِي بَابِ النِّكَاحِ كَسُنَّتِهِ فِي الْأَنْبِيَاءِ الْمَاضِينَ عَلَيْهِمْ، يَعْنِي دَاوُدَ النَّبِيَّ حِينَ هَوِيَ الْمَرْأَةَ الَّتِي فُتِنَ بِهَا، جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، كَذَلِكَ جَمَعَ بَيْنَ زَيْنَبَ وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالْكَلْبِيِّ ، وَالْمُقَاتِلَيْنِ. وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا قَضَاءً مَقْضِيًّا، قَالَ مُقَاتِلٌ : أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ أَمْرَ زَيْنَبَ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية