الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ وَنَادَى فِرْعَوْنُ إِلَى قَوْلِهِ : وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ يَعْنِي : أَنْهَارَ النِّيلِ ، تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَرَادَ : مِنْ تَحْتِ قُصُورِي ، وَقَالَ قَتَادَةُ : بَيْنَ يَدَيَّ فِي جِنَانِي . وَقَالَ الْحَسَنُ : بِأَمْرِي . وَعَلَى هَذَا مَعْنَاهُ : تَجْرِي تَحْتَ أَمْرِي ، أَفَلَا تُبْصِرُونَ عَظَمَتِي ، وَشِدَّةَ مُلْكِي ، وَفَضْلِي عَلَى مُوسَى . قَالَ قَتَادَةُ : افْتَخَرَ عَدُوُّ اللَّهِ بِمُلْكِهِ ، وَقَالَ : أَمْ أَنَا خَيْرٌ أَيْ : بَلْ أَنَا خَيْرٌ وَأَفْضَلُ ، مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ ضَعِيفٌ حَقِيرٌ . يَعْنِي : مُوسَى وَلَا يَكَادُ يُبِينُ الْكَلَامَ ، يَعْنِي : آفَةٌ بِلِسَانِهِ ، وَهِيَ اللُّثْغَةُ الَّتِي كَانَتْ بِلِسَانِ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ هَلَّا حُلِيٌّ بِأَسْوِرَةِ الذَّهَبِ إِنْ كَانَ عَظِيمًا ، وَكَانَ الرَّجُلُ فِيهِمْ إِذَا سَوَّدُوهُ سَوَّرُوهُ بِسِوَارٍ ، وَطَوَّقُوهُ بِطَوْقٍ مِنْ ذَهَبٍ ، أَيْ : إِنْ كَانَ سَيِّدًا تَجِبُ طَاعَتُهُ ، هَلَّا سَوَّرَ ، أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ 4 مُتَتَابِعِينَ ، يُعِينُوهُ عَلَى أَمْرِهِ الَّذِي بُعِثَ لَهُ ، وَيَشْهَدُونَ لَهُ بِصِدْقِهِ . فَاسْتَخَفَّ فِرْعَوْنُ ، قَوْمَهُ الْقِبْطَ ، أَيْ : حَمَلَهُمْ عَلَى خِفَّةِ الْجَهْلِ بِكَيْدِهِ وَغُرُورِهِ ، فَأَطَاعُوهُ عَلَى تَكْذِيبِ مُوسَى ، وَقَبِلُوا قَوْلَهُ ، إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ عَاصِينَ لِلَّهِ . قَوْلُهُ : فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : أَغْضَبُونَا . وَالْأَسَفُ الْغَضَبُ ، ذَكَرْنَا ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ : غَضْبَانَ أَسِفًا أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَرْوَزِيُّ ، فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ أَنَّ أَبَا الْفَضْلِ الْحَدَّادِيَّ أَخْبَرَهُمْ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ ، أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، نَا مَعْمَرٌ ، عَنْ سَمَّاكِ بْنِ الْفَضْلِ ، قَالَ : كُنَّا عِنْدَ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَإِلَى جَانِبِهِ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ ، فَجَاءَ قَوْمٌ فَشَكَوْا عَامِلَهُمْ ، وَذَكَرُوا مِنْهُ شَيْئًا قَبِيحًا ، فَتَنَاوَلَ وَهْبٌ عَصًا كَانَتْ فِي يَدِ عُرْوَةَ ، فَضَرَبَ بِهَا رَأْسَ الْعَامِلِ ، حَتَّى سَالَ دَمُهُ ، فَضَحِكَ عُرْوَةُ ، وَاسْتَلْقَى عَلَى قَفَاهُ ، وَقَالَ : يَعِيبُ عَلَيْنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْغَضَبَ ، وَهُوَ يَغْضَبُ . فَقَالَ وَهْبٌ : وَمَا لِي لَا أَغْضَبُ ، وَقَدْ غَضِبَ الَّذِي خَلَقَ الْأَحْلَامَ ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ، يَقُولُ : أَغْضَبُونَا . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ، أَنَا أَبُو بَكْرِ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْعَوَّامِ ، يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبِي ، يَقُولُ : سَمِعْتُ شُعَيْبَ بْنَ حَرْبٍ ، يَقُولُ : قَالَ عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ : يَا أَهْلَ الْمَعَاصِي ، لَا تَغْتَرُّوا بِطُولِ حِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنْكُمْ ، فَاحْذَرُوا أَسَفَهُ ، فَإِنَّهُ قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ : فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ . فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا جَمْعُ سَالِفٍ ، مِثْلَ خَادِمٍ وَخَدَمٍ ، وَحَارِسٍ وَحَرَسٍ ، يُقَالُ : سَلَفَ يَسْلِفُ سُلُوفًا ، إِذَا تَقَدَّمَ وَمَضَى . قَالَ الْفَرَّاءُ ، وَالزَّجَّاجُ ، يَقُولُ : جَعَلْنَاهُمْ مُتَقَدِّمِينَ ، لِيَتَّعِظَ بِهِمُ الْآخَرُونَ . وَقَرَأَ حَمْزَةُ : سُلُفًا بِالضَّمِّ- ، وَهُوَ جَمْعُ سَلِيفٍ مِنْ سَلُفَ بِضَمِّ اللَّامِ ، أَيْ : تَقَدَّمَ ، فَهُوَ سَلِيفٌ ، وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ أَيْ : عِبْرَةً وَعِظَةً لِمَنْ بَقِيَ بَعْدَهُمْ ، وَالْمَعْنَى : أَنَّ حَالَ غَيْرِهِمْ يُشْبِهُ حَالَهُمْ ، إِذَا أَقَامُوا عَلَى الْعِصْيَانِ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية