الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ فَكَفَرُوا وَلَمْ يُؤْمِنُوا فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ ، قَوْمٌ مُجْرِمُونَ قَالَ الْكَلْبِيُّ ، وَمُقَاتِلٌ : مُشْرِكُونَ ، لَا يُؤْمِنُونَ . فَأَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْرِيَ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا يَعْنِي : مَنْ آمَنَ بِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ يَتْبَعُكُمْ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ ، أَعْلَمَهُ اللَّهُ أَنَّهُمْ يَتَّبِعُونَهُمْ ، إِذَا سَرَوْا لَيْلًا لِطَلَبِهِمْ . ثُمَّ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِغَرَقِهِمْ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا أَيْ : سَاكِنًا ، وَالرَّهْوُ : مَشْيٌ فِي سُكُونٍ ، يُقَالُ : رَهَا يَرْهُو رَهْوًا فَهُوَ رَاهٍ ، وَيُقَالُ لِكُلِّ شَيْءٍ سَاكِنٍ ، لَا يَتَحَرَّكُ : رَاهٍ . قَالَ مُجَاهِدٌ : رَهْوًا سَاكِنًا كَمَا هُوَ ، أَيْ : كَهَيْئَتِهِ بَعْدَ أَنْ ضَرَبَهُ . يَقُولُ : لَا تَأْمُرُهُ يَرْجِعُ ، اتْرُكْهُ حَتَّى يَدْخُلَهُ آلُ فِرْعَوْنَ وَجُنُودُهُ . وَقَالَ قَتَادَةُ : لَمَّا قَطَعَ مُوسَى الْبَحْرَ ، عَطَفَ لِيَضْرِبَ الْبَحْرَ بِعَصَاهُ لِيَلْتَئِمَ ، وَخَافَ أَنْ يَتْبَعَهُ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ ، فَقِيلَ لَهُ : وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا أَيْ : كَمَا هُوَ ، وَنَحْوَ هَذَا قَالَ مُقَاتِلٌ . وَالْمَعْنَى : اتْرُكِ الْبَحْرَ رَاهِيًا ، أَيْ : سَاكِنًا عَلَى حَالِهِ ، فَسُمِّيَ بِالْمَصْدَرِ ، أَوْ يَكُونُ الْمَعْنَى : ذَا رَهْوٍ ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : اتْرُكْهُ طَرِيقًا . وَالرَّهْوُ يَكُونُ بِمَعْنَى الْفُرْجَةِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : وَنَظَرَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى فَالِجٍ ، قَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ رَهْوٌ بَيْنَ سَنَامَيْنِ ! وَيَكُونُ الْمَعْنَى عَلَى هَذَا : ذَا رَهْوٍ ، أَيْ : ذَا فُرْجَةٍ ، يَعْنِي : الطَّرِيقَ الَّذِي أَظْهَرَهُ فِيمَا بَيْنَ الْمَاءِ ، قَوْلُهُ : إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ أَخْبَرَ اللَّهُ مُوسَى أَنَّهُ يُغْرِقُهُمْ ، لِيُطَمْئِنَ قَلْبَهُ فِي تَرْكِ الْبَحْرِ كَمَا جَاوَزَهُ . ثُمَّ ذَكَرَ مَا تَرَكُوا بِمِصْرَ مِنْ عَقَارِهِمْ ، وَمَسَاكِنِهِمْ ، فَقَالَ : كَمْ تَرَكُوا يَعْنِي : بَعْدَ الْغَرَقِ ، مِنْ جَنَّاتٍ وَالْآيَةُ مُفَسَّرَةٌ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ . (وَنِعْمَةٍ ) وَعَيْشٍ لَيِّنٍ رَغْدٍ ، كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ مُفَسَّرٌ فِيمَا تَقَدَّمَ . كَذَلِكَ قَالَ الْكَلْبِيُّ : كَذَلِكَ أَفْعَلُ بِمَنْ عَصَانِي . وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ صَيَّرْنَاهَا إِلَيْهِمْ ، وَأَعْطَيْنَاهُمْ إِيَّاهَا ، كَمَا قَالَ فِي الشُّعَرَاءِ : وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ . فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ . أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ ، أَنَا أَبُو بَحْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ كَوْثَرٍ ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى الْعَطَّارُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ زَكَرِيَّا ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيِّ ، عَنْ يَزِيدَ بْنَ أَبَانٍ الرَّقَاشِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا مِنْ مُسْلِمٍ إِلَّا وَلَهُ بَابَانِ بَابٌ يَصْعَدُ فِيهِ عَمَلُهُ وَبَابٌ يَنْزِلُ مِنْهُ رِزْقُهُ ، فَإِذَا مَاتَ بَكَيَا عَلَيْهِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ . وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْمَلُونَ عَلَى الْأَرْضِ عَمَلًا صَالِحًا تَبْكِي عَلَيْهِمْ ، وَلَمْ يَصْعَدْ لَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ مِنْ كَلَامِهِمْ ، وَلَا مِنْ عَمَلِهِمْ كَلَامٌ طَيِّبٌ ، وَلَا عَمَلٌ صَالِحٌ ، فَيَفْقِدُهُمْ ، وَيَبْكِي عَلَيْهِمْ ، وَهَذَا قَوْلُ جَمَاعَةِ الْمُفَسِّرِينَ ، قَالُوا : لَمْ تَبْكِ عَلَيْهِمْ مَصَاعِدُ أَعْمَالِهِمْ مِنَ السَّمَاءِ ، وَلَا مَوَاضِعُ سُجُودِهِمْ "مِنَ الْأَرْضِ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : مَا مَاتَ مُؤْمِنٌ ، إِلَّا بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا . وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ لَمْ يَنْظُرُوا حِينَ أَخَذَهُمُ الْعَذَابُ لِتَوْبَةٍ ، وَلَا لِغَيْرِهَا .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية