الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      قَوْلُهُ تَعَالَى : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ ، وَقُرِئَ هَاهُنَا إِحْسَانًا وَالْمَعْنَى : أَمَرْنَاهُ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا ، كَقَوْلِهِ : وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ثُمَّ ذَكَرَ مَا قَاسَتْهُ الْأُمُّ فِي حَمْلِ الْوَلَدِ ، وَوَضْعِهِ ، فَقَالَ : حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا 4 يَعْنِي : حِينَ أَثْقَلَتْ ، وَثَقُلَ عَلَيْهَا الْوَلَدُ ، وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يُرِيدُ شِدَّةَ الطَّلْقِ . وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا يُرِيدُ : أَنَّ مُدَّةَ حَمْلِهِ إِلَى أَنَّ فَصَلَ مِنَ الرَّضَاعِ ، كَانَتْ هَذَا الْقَدْرَ ، رَوَى عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : إِذَا حَمَلَتِ الْمَرْأَةُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ ، أَرْضَعَتْهُ وَاحِدًا وَعِشْرِينَ شَهْرًا ، وَإِذَا حَمَلَتْهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ، أَرْضَعَتْهُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ شَهْرًا . وَقَالَ مُقَاتِلٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَالْكَلْبِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَكَانَ حَمْلُهُ وَفِصَالُهُ هَذَا الْقَدْرَ . وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا قَوْلُهُ : حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ مِمَّنْ بَلَغَ هَذَا الْمَبْلَغَ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ هَذَا الْقَوْلُ ، وَهُوَ مَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِنْسَانٌ بِعَيْنِهِ ، وَهُوَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ : بَلَغَ أَشُدَّهُ قَالَ عَطَاءٌ : يُرِيدُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً . وَذَلِكَ أَنَّهُ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَالنَّبِيُّ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً ، فِي تِجَارَتِهِ إِلَى الشَّامِ ، فَكَانَ لَا يُفَارِقُهُ فِي أَسْفَارِهِ وَحُضُورِهِ ، فَلَمَّا بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَنُبِّئَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا رَبَّهُ ، فَقَالَ : رَبِّ أَوْزِعْنِي أَلْهِمْنِي ، أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ بِالْهِدَايَةِ وَالْإِيمَانِ ، حَتَّى لَا أُشْرِكَ بِكَ ، وَعَلَى وَالِدَيَّ أَبِي قُحَافَةَ عُثْمَانَ بْنِ عَمْرٍو ، وَأُمِّ الْخَيْرِ بِنْتِ صَخْرِ بْنِ عَمْرٍو ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَسْلَمَ أَبَوَاهُ جَمِيعًا ، وَلَمْ يَجْتَمِعْ لِأَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، الْمُهَاجِرِينَ أَبَوَاهُ غَيْرَهُ ، وَأَوْصَاهُ اللَّهُ بِهِمَا ، وَلَزِمَ ذَلِكَ مِنْ بَعْدِهِ . وَقَوْلُهُ : وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَجَابَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، فَأَعْتَقَ تِسْعَةً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، يُعَذَّبُونَ فِي اللَّهِ ، وَلَمْ يُرِدْ شَيْئًا مِنَ الْخَيْرِ إِلَّا أَعَانَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ فِي ذُرِّيَّتِهِ إِذْ قَالَ : وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي فَلَمْ يَبْقَ لَهُ وَلَدٌ ، وَلَا وَالِدٌ ، وَلَا وَالِدَةٌ إِلَّا آمَنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ . أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ ، أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَارِسِيُّ ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيَّ ، يَقُولُ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ شَيْبَةَ ، قَالَ : قَالَ لِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ : لَمْ يُدْرِكْ أَرْبَعَةٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُمْ وَأَبْنَاؤُهُمْ إِلَّا هَؤُلَاءِ : أَبُو قُحَافَةَ ، وَأَبُو بَكْرٍ ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَأَبُو عَتِيقِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ . قَالَ الْبُخَارِيُّ : أَبُو عَتِيقٍ أَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ . وَقَوْلُهُ : إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ عَطَاءٌ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : إِنِّي رَجَعْتُ إِلَى كُلِّ مَا تُحِبُّ ، وَأَسْلَمْتُ لَكَ بِقَلْبِي وَلِسَانِي . أُولَئِكَ يَعْنِي : أَهْلَ هَذَا الْقَوْلِ ، نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا يَعْنِي : الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ الَّتِي عَمِلُوهَا فِي الدُّنْيَا ، وَكُلُّهَا حَسَنٌ ، فَالْأَحْسَنُ بِمَعْنَى : الْحَسَنِ ، وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ قَالَ عَطَاءٌ : يُرِيدُ مَا كَانَ فِي الشِّرْكِ . فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ أَيْ : فِي جُمْلَةِ مَنْ يَتَجَاوَزُ عَنْهُمْ ، وَهُمْ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ، وَعْدَ الصِّدْقِ يَعْنِي : مَا وَعَدَ اللَّهُ أَهْلَ الْإِيمَانِ أَنْ يَتَقَبَّلَ مِنْ مُحْسِنِيهِمْ ، وَيَتَجَاوَزُ عَنْ مُسِيئِيهِمْ ، الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ فِي الدُّنْيَا عَلَى لِسَانِ الرُّسُلِ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية