الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ وَمِنْهُمْ يَعْنِي : مِنَ الْمُنَافِقِينَ ، كَانُوا يَسْتَمِعُونَ إِلَى خُطْبَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ ، وَكَانَ يُعَرِّضُ بِهِمْ ، وَيُعَيِّنُهُمْ ، فَإِذَا خَرَجُوا مِنَ الْمَسْجِدِ ، قَالُوا لِأُولِي الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ : مَاذَا قَالَ آنِفًا أَيِ : السَّاعَةُ ، وَمَعْنَى الْآنِفِ مِنَ الِائْتِنَافِ ، يُقَالُ : ائْتَنَفْتُ الْأَمْرَ ، أَيِ : ابْتَدَأْتُهُ ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْأَنْفِ وَهُوَ ابْتِدَاءُ كُلِّ شَيْءٍ ، وَإِنَّمَا سَأَلُوا أُولِي الْعِلْمِ ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْقِلُوا مَا قَالَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لِمَنْعِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُمْ عَنْ ذَلِكَ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ قَالَ مُقَاتِلٌ : خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ بِالْكُفْرِ ، فَلَا يَعْقِلُونَ الْإِيمَانَ . وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ فِي الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ . وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا يَعْنِي : أَهْلَ الْإِسْلَامِ ، زَادَهُمْ مَا قَالَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، هُدًى قَالَ الضَّحَّاكُ : كُلَّمَا أَتَاهُمْ مِنَ اللَّهِ تَنْزِيلٌ فَرِحُوا بِهِ ، فَزَادَهُمُ اللَّهُ بِهِ هُدًى . وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ وَفَّقَهُمْ لِلْعَمَلِ بِمَا أُمِرُوا بِهِ ، وَهُوَ التَّقْوَى ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى : وَآتَاهُمْ ثَوَابُ تَقْوَاهُمْ ، أَيْ : فِي الْآخِرَةِ . ثُمَّ خَوَّفَ كُفَّارَ مَكَّةَ بِقُرْبِ السَّاعَةِ ، وَأَنَّهَا إِذَا أَتَتْ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمْ شَيْءٌ ، فَقَالَ : فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذَا فِي آيٍ كَثِيرَةٍ ، وَقَوْلُهُ : فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا أَيْ : عَلَامَاتُهَا وَاحِدُهَا شَرْطٌ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَعَالِمُهَا . يُرِيدُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَشْرَاطِهَا ، وَقَدْ قَالَ : "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ " . وَقَالَ مُقَاتِلٌ : يَعْنِي : أَعْلَامَهَا مِنِ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ ، وَالدُّخَانِ ، وَخُرُوجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَدْ عَايَنُوا هَذَا كُلَّهُ . فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ قَالَ قَتَادَةُ : يَقُولُ : أَنَّى لَهُمْ أَنْ يَتَذَكَّرُوا ، أَوْ يَتُوبُوا إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ . وَقَالَ عَطَاءٌ : مِنْ أَيْنَ لَهُمُ التَّوْبَةُ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ ؟ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ : يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى . وَقَوْلُهُ : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ الزَّجَّاجُ : الْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَادُ بِهِ غَيْرُهُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى : أَقِمْ عَلَى ذَلِكَ الْعِلْمِ ، وَاثْبُتْ عَلَيْهِ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مُتَعَلِّقًا بِمَا قَبْلَهُ ، عَلَى مَعْنَى : إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، يَعْنِي : أَنَّ الْمَمَالِكَ تُبْطِلُ عِنْدَ ذَلِكَ ، فَلَا مُلْكَ ، وَلَا حُكْمَ لِأَحَدٍ إِلَّا اللَّهَ تَعَالَى ، وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ إِنَّمَا أَمَرَ بِالِاسْتِغْفَارِ مَعَ أَنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ ، لِتَسْتَنَّ بِهِ أُمَّتُهُ فِي الِاسْتِغْفَارِ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ ، نَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، نَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ حَمْدَانَ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ " . رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الدَّوَامُ وَالثَّبَاتُ عَلَيْهِ . أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحِذَامِيُّ ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ ، نَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْحَافِظُ ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ السُّكَّرِيُّ ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَسَدِيُّ ، نَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، يَقُولُ : سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَتَلَا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ، قَالَ : كُنْتُ رَجُلًا ذَرِبَ اللِّسَانِ عَلَى أَهْلِي ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي لَأَخْشَى أَنْ يُدْخِلَنِي لِسَانِي النَّارَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَأَيْنَ أَنْتَ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ ؟ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ " وَقَوْلُهُ : وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ هَذَا إِكْرَامٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِهَذِهِ الْأُمَّةِ ، حِينَ أَمَرَ نَبِيَّهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِذُنُوبِهِمْ ، وَهُوَ الشَّفِيعُ الْمُجَابُ فِيهِمْ ، ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ عِلْمِهِ بِأَحْوَالِ الْخَلْقِ وَمَآلِهِمْ ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مُتَصَرَّفَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ فِي الدُّنْيَا ، وَمَصِيرِهِمْ فِي الْآخِرَةِ ، إِلَى الْجَنَّةِ أَوْ إِلَى النَّارِ . وَقَالَ مُقَاتِلٌ : مُنْتَشَرُكُمْ بِالنَّهَارِ ، وَمَأْوَاكُمْ بِاللَّيْلِ . وَالْمَعْنَى : أَنَّهُ عَالِمٌ بِجَمِيعِ أَحْوَالِكُمْ ، فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية