الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      قَوْلُهُ: أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: أَفَتُجَادِلُونَهُ. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ جَادَلُوهُ حِينَ أُسْرِيَ بِهِ، فَقَالُوا: صِفْ لَنَا مَسْجِدَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَأَخْبِرْنَا عَنْ عِيرِنَا فِي طَرِيقِ الشَّامِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا جَادَلُوهُ بِهِ، وَالْمَعْنَى: أَفَتُجَادِلُونَهُ جِدَالًا، تَرُومُونَ بِهِ دَفْعَهُ عَمَّا عَلِمَهُ وَشَاهَدَهُ؟ وَمَنْ قَرَأَ: أَفَتُمْرُونَهُ كَانَ مَعْنَاهُ: أَفَتَجْحَدُونَهُ، يُقَالُ: مَرَيْتُ الرَّجُلَ حَقَّهُ إِذَا جَحَدْتُهُ، قَالَ الْمُبَرِّدُ : أَيْ: أَفَتَدْفَعُونَهُ عَمَّا يَرَى. وَ"عَلَى" فِي مَوْضِعِ عَنْ، وَالْمَعْنَيَانِ مُتَقَارِبَانِ؛ لِأَنَّ مُجَادَلَتَهُمْ جُحُودٌ، وَكُلُّ مُجَادِلٍ جَاحِدٌ. وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى رَأَى جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا، نَازِلًا مِنَ السَّمَاءِ نَزْلَةً أُخْرَى، وَذَلِكَ أَنَّهُ رَآهُ فِي صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى يَعْنِي: رَآهُ مُحَمَّدٌ وَهُوَ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ ، وَمُقَاتِلٌ : هِيَ شَجَرَةٌ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ، فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، انْتَهَى إِلَيْهَا عِلْمُ كُلِّ مَلَكٍ. أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْمَنْصُورِيُّ ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ ، نَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، نَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "لَمَّا رُفِعْتُ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ نَبْقُهَا مِثْلُ قِلَالٍ هَجَرَ وَوَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ، يَخْرُجُ مِنْ سَاقِهَا نَهْرَانِ ظَاهِرَانِ، وَنَهْرَانِ بَاطِنَانِ، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَا هَذَا؟ قَالَ: أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَفِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ". وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : إِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يَصْعَدُ بِهِ مِنَ الْأَرْضِ فَيَقْبِضُ مِنْهَا، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يَهْبِطُ بِهِ مِنْ فَوْقِهَا فَيَقْبِضُ مِنْهَا. وَالْمُنْتَهَى: مَوْضِعُ الِانْتِهَاءِ، وَهَذِهِ الشَّجَرَةُ حَيْثُ تَنْتَهِي إِلَيْهَا الْمَلَائِكَةُ، فَأُضِيفَتْ إِلَيْهِ. عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى قَالَ عَطَاءٌ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : جَنَّةٌ يَأْوِي إِلَيْهَا جِبْرِيلُ وَالْمَلَائِكَةُ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ ، وَالْكَلْبِيُّ : جَنَّةٌ يَأْوِي إِلَيْهَا أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى قَالُوا: فِرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ يَغْشَاهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ ، وَمُقَاتِلٌ : تَغْشَاهَا الْمَلَائِكَةُ أَمْثَالَ الْغِرْبَانِ، حَتَّى يَقَعْنَ عَلَى الشَّجَرَةِ. وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "رَأَيْتُ عَلَى كُلِّ وَرَقَةٍ مِنْ وَرَقِهَا مَلَكًا، قَائِمًا يُسَبِّحُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ" . مَا زَاغَ الْبَصَرُ مَا مَالَ بَصَرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمِينًا، وَلَا شِمَالًا، وَمَا طَغَى وَمَا جَاوَزَ مَا رَأَى، وَهَذَا وَصْفُ أَدَبِهِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ؛ إِذْ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى جَانِبٍ، وَلَمْ يَمِلْ بَصَرُهُ، وَلَمْ يَمُدَّهُ أَمَامَهُ إِلَى حَيْثُ يَنْتَهِي. لَقَدْ رَأَى تِلْكَ اللَّيْلَةَ، مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى يَعْنِي: الْآيَاتِ الْعِظَامَ الَّتِي رَآهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَقَالَ قَوْمٌ: يَعْنِي: رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْآيَةَ الْكُبْرَى. وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ ، قَالَ: رَأَى جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا، لَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية