الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : اجْتَمَعَ الْمُشْرِكُونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا، فَشُقَّ لَنَا الْقَمَرَ فِرْقَتَيْنِ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنْ فَعَلْتُ تُؤْمِنُونَ" . قَالُوا: نَعَمْ. وَكَانَتْ لَيْلَةَ بَدْرٍ، فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُ أَنْ يُعْطِيَهُ مَا قَالُوا، فَانْشَقَّ الْقَمَرُ فِرْقَتَيْنِ، وَرَسُولُ اللَّهِ يُنَادِي يَا فُلَانُ يَا فُلَانُ اشْهَدُوا. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ ، أَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى ، نَا أَبُو خَيْثَمَةَ ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَقَّتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اشْهَدُوا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ ، وَحَدِيثُ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ: أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ رَوَيْنَا عَنْ جَمِيعِهِمْ ذَلِكَ فِي مُسْنَدِ التَّفْسِيرِ، وَجَمِيعُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى هَذَا، إِلَّا مَا رَوَى عُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: مَعْنَاهُ: سَيَنْشَقُّ الْقَمَرُ. وَالْعُلَمَاءُ كُلُّهُمْ عَلَى خِلَافِهِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ اقْتِرَابَ السَّاعَةِ مَعَ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ؛ لِأَنَّ انْشِقَاقَهُ مِنْ عَلَامَاتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنُبُوَّتُهُ وَزَمَانُهُ مَنْ أَشْرَاطِ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ، قَالَ الزَّجَّاجُ : زَعَمَ قَوْمٌ عَنَدُوا عَنِ الْقَصْدِ، وَمَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ تَأْوِيلَهُ: أَنَّ الْقَمَرَ يَنْشَقُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَالْأَمْرُ بَيِّنٌ فِي اللَّفْظِ وَإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا كَانَ فِي الدُّنْيَا، لَا فِي الْقِيَامَةِ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَمَّا انْشَقَّ الْقَمَرُ، قَالَ الْمُشْرِكُونَ: سَحَرَنَا مُحَمَّدٌ . فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِنْ يَرَوْا آيَةً ، يَعْنِي: انْشِقَاقَ الْقَمَرِ، يُعْرِضُوا عَنِ التَّصْدِيقِ، وَالْإِيمَانِ بِهَا، وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ قَوِيٌّ شَدِيدٌ، يَعْلُو كُلَّ سِحْرٍ، مِنْ قَوْلِهِمْ: اسْتَمَرَّ الشَّيْءُ إِذَا قَوِيَ وَاسْتَحْكَمَ. ثُمَّ ذَكَرَ تَكْذِيبَهُمْ، فَقَالَ: وَكَذَّبُوا يَعْنِي: النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا عَايَنُوا مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ، وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَمَا زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْبَاطِلِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ، وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ قَالَ الْكَلْبِيُّ : لِكُلِّ أَمْرٍ حَقِيقَةٌ مَا كَانَ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا فَسَيَظْهَرُ، وَمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْآخِرَةِ فَسَيُعْرَفُ. وَقَالَ قَتَادَةُ : وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ فَالْخَيْرُ يَسْتَقِرُّ بِأَهْلِ الْخَيْرِ، وَالشَّرُّ يَسْتَقِرُّ بِأَهْلِ الشَّرِّ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ : يَقُولُ: يَسْتَقِرُّ قَرَارُ تَكْذِيبِهِمْ، وَقَرَارُ قَوْلِ الْمُصَدِّقِينَ، حَتَّى يَعْرِفُوا حَقِيقَتَهُ بِالثَّوَابِ وَالْعَقَابِ. وَلَقَدْ جَاءَهُمْ يَعْنِي: أَهْلَ مَكَّةَ ، مِنَ الْأَنْبَاءِ مِنْ أَخْبَارِ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ فِي الْقُرْآنِ، مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الِازْدِجَارِ، أَيْ: نَهْيٌ وَعِظَةٌ، يُقَالُ: زَجَرْتُهُ وَازْدَجَرْتُهُ إِذَا نَهَيْتُهُ عَنِ السُّوءِ. حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ يَعْنِي: الْقُرْآنُ حِكْمَةٌ تَامَّةٌ، قَدْ بَلَغَتِ الْغَايَةَ، فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَا نَفْيًا عَلَى مَعْنَى: فَلَيْسَتْ تُغْنِي النُّذُرُ، وَهُوَ جَمْعُ نَذِيرٍ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اسْتِفْهَامًا، وَالْمَعْنَى: فَأَيُّ شَيْءٍ تُغْنِي النُّذُرُ، إِذَا لَمْ يُؤْمِنُوا؟ كَقَوْلِهِ: وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية