الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ لِنُزُولِ الْمَلَائِكَةِ، فَكَانَتْ وَرْدَةً كَلَوْنِ الْفَرَسِ الْوَرْدِ، وَهُوَ الْأَبْيَضُ الَّذِي يَضْرِبُ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ، قَالَ قَتَادَةُ : هِيَ الْيَوْمَ خَضْرَاءُ كَمَا تَرَوْنَ، وَلَهَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ لَوْنٌ آخَرُ إِلَى الْحُمْرَةِ. كَالدِّهَانِ جَمْعُ دَهْنٍ، قَالَ الْفَرَّاءُ : شَبَّهَ تَلَوُّنَ السَّمَاءِ بِتَلَوُّنِ الْوَرْدَةِ مِنَ الْخَيْلِ، وَشَبَّهَ الْوَرْدَةَ فِي اخْتِلَافِ أَلْوَانِهَا، بِالدَّهْنِ وَاخْتِلَافِ أَلْوَانِهِ. وَهَذَا قَوْلُ الضَّحَّاكِ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَالرَّبِيعِ . فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ يَعْنِي: لَا يُسْأَلُ لِتَعَرُّفِ ذَلِكَ بِالْمَسْأَلَةِ مِنْ جِهَتِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَحْصَى الْأَعْمَالَ، وَحَفِظَهَا عَلَى الْعِبَادِ، فَلَا يُسْأَلُونَ سُؤَالَ اسْتِفْهَامٍ، وَلَكِنْ يُسْأَلُونَ سُؤَالَ تَقْرِيعٍ وَتَوْبِيخٍ. يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا: بِسَوَادِ الْوُجُوهِ، وَزُرْقَةِ الْأَعْيُنِ، يَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ، وَقَوْلُهُ: وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا ، فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ تُجْعَلُ الْأَقْدَامُ مَضْمُومَةً إِلَى النَّوَاصِي مِنْ خَلْفٍ، وَيُلْقَوْنَ فِي النَّارِ، رَوَى الْحَسَنُ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ خُلِقَتْ مَلَائِكَةُ جَهَنَّمَ قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ جَهَنَّمَ بِأَلْفِ عَامٍ، فَهُمْ كُلَّ يَوْمٍ يَزْدَادُونَ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِهِمْ، حَتَّى يَقْبِضُوا عَلَى مَنْ قَبَضُوا عَلَيْهِ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ، فَيَسْتَجِيرُ بِاللَّهِ مِنْهُمْ وَمِنْ جَهَنَّمَ" . أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ الْجَوْزَقِيُّ ، أَنَا بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَلْوَانِيُّ ، نَا الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ ، نَا مَرْدَوَيْهِ الصَّائِغُ ، قَالَ: صَلَّى بِنَا الْإِمَامُ صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَقَرَأَ سُورَةَ الرَّحْمَنِ وَمَعَنَا عَلِيُّ بْنُ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ ، فَلَمَّا قَرَأَ الْإِمَامُ: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ الْآيَةَ، خَرَّ عَلِيٌّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَفَرَغْنَا مِنَ الصَّلَاةِ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قُلْنَا لَهُ: يَا عَلِيُّ ، أَمَا سَمِعْتَ الْإِمَامَ يَقُولُ: حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ . قَالَ: شَغَلَنِي عَنْهَا: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ . قَوْلُهُ: هَذِهِ جَهَنَّمُ أَيْ: يُقَالُ لَهُمْ: هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهَا، أَيْ: أَنَّهَا لَا تَكُونُ. ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ حَالِهِمْ فِيهَا، فَقَالَ: يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ قَالَ الْفَرَّاءُ : هُوَ الَّذِي قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ. قَالَ الزَّجَّاجُ : أَنَى يَأْنِي فَهُوَ آنٌ إِذَا انْتَهَى فِي النُّضْجِ وَالْحَرَارَةِ. وَقَالَ الْحَسَنُ : قَدْ بَلَغَ مُنْتَهَى حَرِّهِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ يَسْعَوْنَ بَيْنَ عَذَابِ الْجَحِيمِ وَعَذَابِ الْحَمِيمِ، فَإِذَا اسْتَغَاثُوا مِنَ النَّارِ جُعِلَ غِيَاثُهُمُ الْحَمِيمَ الْآنِيَ، الَّذِي قَدْ صَارَ كَالْمُهْلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ الْآيَةَ. وَكُلُّ مَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ قَوْلِهِ: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا إِلَى هَاهُنَا مَوَاعِظُ وَمَزَاجِرُ، وَتَهْدِيدٌ وَتَخْوِيفٌ، وَهِيَ كُلُّهَا نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى الِانْزِجَارِيَّةُ عَنِ الْمَعَاصِي؛ وَلِذَلِكَ خَتَمَ كُلَّ آيَةٍ بِقَوْلِهِ: فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية