الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      قَوْلُهُ: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ تَعْمَلُونَ فِي الْأَرْضِ، وَتُلْقُونَ فِيهَا مِنَ الْبَذْرِ. أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ تُنْبِتُونَهُ، أَمْ نَحْنُ الْمُنْبِتُونَ، قَالَ الْمُبَرِّدُ : يُقَالُ: زَرَعَهُ اللَّهُ أَيْ: أَنْمَاهُ. لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ جَعَلْنَا مَا تَحْرُثُونَ، حُطَامًا قَالَ عَطَاءٌ : تِبْنًا لَا قَمْحَ فِيهِ. قَالَ الزَّجَّاجُ : أَيْ: أَبْطَلْنَاهُ حَتَّى يَكُونَ مُتَحَطِّمًا، لَا حِنْطَةَ فِيهِ وَلَا شَيْءَ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَقُولُ: لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مَا تَحْرُثُونَ كَلَأً، يَصِيرُ بَعْدَ يُبْسِهِ حُطَامًا مُتَكَسِّرًا، لَا حِنْطَةَ فِيهِ، فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ قَالَ الْفَرَّاءُ : تَفَكَّهُونَ: تَتَعَجَّبُونَ مِمَّا نَزَلَ بِكُمْ فِي زَرْعِكُمْ. وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالْكَلْبِيِّ ، وَمُقَاتِلٍ ، قَالَ: وَيُقَالُ: مَعْنَاهُ: تَنْدَمُونَ. وَهُوَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ ، وَقَتَادَةَ ، وَالْحَسَنِ ، وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو ، وَالْكَسَّائِيُّ : هُوَ التَّلَهُّفُ عَلَى مَا فَاتَ. وَيَقُولُونَ: "إِنَّا لَمُغْرَمُونَ" الْمُغْرَمُ: الَّذِي ذَهَبَ مَالُهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، تَقُولُونَ: إِنَّا قَدْ غَرَمْنَا الْحَبَّ الَّذِي بَذَرْنَاهُ، فَذَهَبَ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ. وَهُوَ قَوْلُهُ: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ حُرِمْنَا مَا كُنَّا نَطْلُبُهُ مِنَ الرِّيعِ فِي الزَّرْعِ، وَمَا بَعْدَ هَذَا ظَاهِرٌ إِلَى قَوْلِهِ: أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ تَسْتَخْرِجُونَهَا وَتَقْدَحُونَهَا، يُقَالُ: أَوْرَيْتُ النَّارَ إِذَا قَدَحْتُهَا. أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا الَّتِي تُقْدَحُ مِنْهَا، نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً قَالَ عَطَاءٌ : مَوْعِظَةً لِيَتَّعِظَ بِهَا الْمُؤْمِنُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَمُقَاتِلٌ : جَعَلْنَا النَّارَ تَذْكِرَةً لِلنَّارِ الْكُبْرَى. أَيْ: إِذَا رَآهَا الرَّائِي، ذَكَرَ جَهَنَّمَ وَمَا يَخَافُهُ مِنَ الْعَذَابِ، فَذَكَرَ اللَّهَ، وَاسْتَجَارَ بِهِ مِنْهَا، وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ الْمُقْوِي: الَّذِي يَنْزِلُ بِالْقُوَى، وَهِيَ الْأَرْضُ الْخَالِيَةُ، وَالْمَعْنَى: يَنْتَفِعُ بِهَا أَهْلُ الْبَوَادِي وَالْأَسْفَارِ، النَّازِلِينَ فِي الْأَرْضِ الْقَيِّ، وَمَنْفَعَتُهُمْ بِمَا بِهَا أَكْثَرُ مِنْ مَنْفَعَةِ الْمُقِيمِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُوقِدُونَهَا لَيْلًا لِتَهْرُبَ مِنْهُمُ السِّبَاعُ، وَيَهْتَدِيَ بِهَا الضَّالُّ مِنَ الطَّرِيقِ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ ، وَمُجَاهِدٌ : لِلْمُقْوِينَ: لِلْمُسْتَمْتِعِينَ بِهَا مِنَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ، الْمُسَافِرِينَ وَالْحَاضِرِينَ، يَسْتَضِيئُونَ بِهَا فِي الظُّلْمَةِ، وَيَصْطَلُونَ مِنَ الْبَرْدِ، وَيَنْتَفِعُونَ بِهَا فِي الطَّبْخِ وَالْخَبْزِ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْمُقْوِي مِنَ الْأَضْدَادِ، يُقَالُ لِلْفَقِيرِ: مُقْوٍ، لِخُلُوِّهِ مِنَ الْمَالِ، وَلِلْغَنِيِّ: مُقْوٍ، لِقُوَّتِهِ عَلَى مَا يُرِيدُ، يُقَالُ: أَقْوَى الرَّجُلُ إِذَا صَارَ إِلَى حَالَةِ الْقُوَّةِ، وَالْمَعْنَى: وَمَتَاعًا لِلْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا غِنَى لِأَحَدٍ عَنْهَا. وَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى مَا يَدُلُّ عَلَى تَوْحِيدِهِ، وَمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، قَالَ: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ أَيْ: فَبَرِّئِ اللَّهَ مِمَّا يَقُولُونَ فِي وَصْفِهِ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية