الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَمَا بَعْدَ هَذَا ظَاهِرٌ إِلَى قَوْلِهِ: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ يُخَاطِبُ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ يَعْنِي: الْمَالَ الَّذِي كَانَ بِيَدِ غَيْرِهِمْ، فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وَأَعْطَى قُرَيْشًا ذَلِكَ الْمَالَ، وَكَانُوا فِيهِ خُلَفَاءَ عَمَّنْ مَضَوْا، ثُمَّ ذَكَرَ ثَوَابَ مَنْ أَنْفَقَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بِقَوْلِهِ: فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ . وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ هَذَا اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ، أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ لَكُمْ مِنَ الثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ إِذَا لَمْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ؟ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ حِينَ أَخْرَجَكُمْ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ ، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِالْحُجَّةِ وَالدَّلِيلِ، فَقَدْ بَانَ وَظَهَرَ عَلَى يَدِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَعْثِهِ، وَإِنْزَالِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ: هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ يَعْنِي: الْقُرْآنَ، لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الشِّرْكِ إِلَى نُورِ الْإِيمَانِ، وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ حِينَ بَعَثَ الرَّسُولَ، وَنَصَبَ الْأَدِلَّةَ. ثُمَّ حَثَّهُمْ عَلَى الْإِنْفَاقِ، فَقَالَ: وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَقُولُ: أَيُّ شَيْءٍ لَكُمْ فِي تَرْكِ الْإِنْفَاقِ فِيمَا يُقَرِّبُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنْتُمْ مَيِّتُونَ تَارِكُونَ أَمْوَالَكُمْ، ثُمَّ بَيَّنَ فَضْلَ مَنْ سَبَقَ بِالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ يَعْنِي: فَتْحَ مَكَّةَ ، قَالَ مُقَاتِلٌ : لَا يَسْتَوِي فِي الْفَضْلِ مَنْ أَنْفَقَ مَالَهُ، وَقَاتَلَ الْعَدُوَّ مِنْ قَبْلِ فَتْحِ مَكَّةَ ، مَعَ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلَ. قَالَ الْكَلْبِيُّ ، فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ : نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ، يَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ أَنْفَقَ الْمَالَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَوَّلَ مَنْ قَاتَلَ عَلَى الْإِسْلَامِ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : أَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ إِسْلَامَهُ بِسَيْفِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَدْ شَهِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِنْفَاقِ مَالِهِ قَبْلَ الْفَتْحِ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ ، نَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ السَّلِيطِيُّ إِمْلَاءً، نَا عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمٍ الْبَغْدَادِيُّ الْمُقْرِي ، نَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُحْرِمِيُّ ، نَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ الشَّيْبَانِيُّ ، نَا الْعَلَاءُ بْنُ عَمْرٍو أَبُو عَمْرٍو ، نَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ آدَمَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ وَعِنْدَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَيْهِ عَبَاءَةٌ قَدْ خَلَّهَا عَلَى صَدْرِهِ بِخِلَالٍ إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَقْرَأَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ السَّلَامَ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَا لِي أَرَى أَبَا بَكْرٍ عَلَيْهِ عَبَاءَةٌ قَدْ خَلَّهَا عَلَى صَدْرِهِ بِخِلَالٍ؟ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ أَنْفَقَ مَالَهُ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ عَلَيَّ، قَالَ: فَأَقْرِئْهُ مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى السَّلَامَ وَقُلْ لَهُ يَقُولُ لَكَ رَبُّكَ: أَرَاضٍ أَنْتَ عَنِّي فِي فَقْرِكَ هَذَا أَمْ سَاخِطٌ؟ فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ السَّلَامَ، وَيَقُولُ لَكَ رَبُّكَ: أَرَاضٍ أَنْتَ عَنِّي فِي فَقْرِكَ هَذَا أَمْ سَاخِطٌ، قَالَ: فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ ، وَقَالَ: عَلَى رَبِّي أَغْضَبُ، أَنَا عَنْ رَبِّي رَاضٍ، أَنَا عَنْ رَبِّي رَاضٍ . وَقَوْلُهُ: أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا قَالَ عَطَاءٌ : دَرَجَاتُ الْجَنَّةِ تَتَفَاضَلُ، فَالَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ فِي أَفْضَلِهَا. قَالَ الزَّجَّاجُ : لِأَنَّ الْمُتَقَدِّمِينَ نَالَهُمْ مِنَ الْمَشَقَّةِ أَكْثَرُ مِمَّا نَالَ مَنْ بَعْدَهُمْ، وَكَانَتْ بَصَائِرُهُمْ أَيْضًا أَنْفَذَ. وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى كِلَا الْفَرِيقَيْنِ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى الْجَنَّةَ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ : وَكُلٌّ -بِالرَّفْعِ- عَلَى لُغَةِ مَنْ يَقُولُ: زَيْدٌ ضَرَبْتُ. قَوْلُهُ: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا قَالَ مُقَاتِلٌ : طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: الْقَرْضُ الْحَسَنُ أَنْ يَجْمَعَ عَشَرَةَ أَوْصَافٍ: أَنْ يَكُونَ مِنَ الْحَلَالِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ، لَا يَقْبَلُ إِلَّا الطَّيِّبَ" . وَقَدْ قَالَ أَيْضًا: "لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غَلُولٍ" . وَأَنْ يَكُونَ مِنْ أَكْرَمِ مَا يَمْلِكُ، دُونَ أَنْ يَقْصِدَ الرَّدِيءَ بِالْإِنْفَاقِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ، وَأَنْ يَتَصَدَّقَ وَهُوَ يُحِبُّ الْمَالَ وَيَرْجُو الْحَيَاةَ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: "أَنْ تُعْطِيَهُ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَأْمُلُ الْعَيْشَ، وَتَخْشَى الْفَقْرَ، وَلَا تُمْهِلُ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِي، قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا". وَأَنْ تَضَعَهُ فِي الْأَحَقِّ الْأَحْوَجِ الْأَوْلَى بِأَخْذِهِ؛ وَلِذَلِكَ خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى أَقْوَامًا بِأَخْذِ الصَّدَقَاتِ وَهُمْ أَهْلٌ السُّهْمَانِ، وَأَنْ يَكْتُمَهُ مَا أَمْكَنَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، وَأَنْ لَا تُتْبِعَهُ الْمَنَّ وَالْأَذَى، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ، وَأَنْ يَقْصِدَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يُرَائِي بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُرَائِي مَذْمُومٌ عَلَى لِسَانِ الشَّرْعِ، وَأَنْ يَسْتَحْقِرَ مَا يُعْطِي وَإِنْ كَثُرَ؛ لِأَنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا قَلِيلَةٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ، وَأَنْ تَكُونَ مِنْ أَحَبِّ مَالِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ فَهَذِهِ أَوْصَافٌ عَشَرَةٌ، إِذَا اسْتَكْمَلَتْهَا الصَّدَقَةُ كَانَتْ قَرْضًا حَسَنًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَزَّ وَجَلَّ، وَقَوْلُهُ: وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ يَعْنِي: الْجَنَّةَ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية