الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ "سَبَّحَ لِلَّهِ" الْآيَةَ، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا. هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَعْنِي: يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ ، غَدَرُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ أَنْ عَاهَدُوهُ، وَصَارُوا عَلَيْهِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ يَدًا وَاحِدَةً، فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى رَضُوا بِالْجَلَاءِ، وَذَكَرَ اللَّهُ تِلْكَ الْقِصَّةَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُسَمِّي هَذِهِ السُّورَةَ سُورَةَ بَنِي النَّضِيرِ، لِأَوَّلِ الْحَشْرِ كَانَ جَلَاؤُهُمْ ذَلِكَ أَوَّلَ حَشْرٍ إِلَى الشَّامِ ، ثُمَّ يُحْشَرُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الشَّامِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُمُ: "اخْرُجُوا" . قَالُوا: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: "إِلَى أَرْضِ الْمَحْشَرِ" . وَقَالَ الْكَلْبِيُّ : إِنَّهُمْ كَانُوا أَوَّلَ مَنْ أُجْلِيَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، ثُمَّ أُجْلِيَ آخِرُهُمْ زَمَنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَكَانَ جَلَاؤُهُمْ أَوَّلَ حَشْرٍ مِنَ الْمَدِينَةِ . مَا ظَنَنْتُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ، لِعِزِّهِمْ، وَمَنَعَتِهِمْ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ حُصُونٍ، وَعَقَارٍ، وَنَخِيلٍ كَثِيرَةٍ، وَحَلْقَةٍ، وَظَنَّ بَنُو النَّضِيرِ أَنَّ حُصُونَهُمْ تَمْنَعُهُمْ وَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ أَيْ: مِنْ سُلْطَانِ اللَّهِ، فَأَتَاهُمُ اللَّهُ أَيْ: أَمْرُ اللَّهِ وَعَذَابُهُ، مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَهُوَ أَنَّهُ أَمَرَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِتَالِهِمْ، وَإِجْلَائِهِمْ، وَكَانُوا لَا يَظُنُّونَ أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ، وَلَا يَحْتَسِبُونَهُ، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ بِقَتْلِ سَيِّدِهِمْ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ ، يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ وَذَلِكَ: أَنَّهُمْ لَمَّا أَيْقَنُوا بِالْجَلَاءِ، حَسَدُوا الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَسْكُنُوا مَنَازِلَهُمْ، فَجَعَلُوا يُخْرِبُونَهَا مِنْ دَاخِلٍ، وَالْمُسْلِمُونَ مِنْ خَارِجٍ، قَالَ الزَّجَّاجُ : وَمَعْنَى تَخْرِيبِهَا بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّهُمْ عَرَّضُوهَا لِذَلِكَ. وَقَرَأَهُ الْعَامَّةُ: يُخْرِبُونَ مِنَ الْإِخْرَابِ، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو مُشَدَّدًا مِنَ التَّخْرِيبِ، وَهُمَا وَاحِدٌ مِثْلَ فَرَّحْتُهُ وَأَفْرَحْتُهُ،فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ مَعْنَى الِاعْتِبَارِ: النَّظَرُ فِي الْأُمُورِ لِيُعْرَفَ بِهَا شَيْءٌ آخَرُ مِنْ جِنْسِهَا، وَالْمَعْنَى: تَدَبَّرُوا وَانْظُرُوا فِيمَا نَزَلَ بِهِمْ يَا أَهْلَ اللُّبِّ، وَالْعَقْلِ، وَالْبَصَائِرِ. وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ قَضَى عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ يُخْرِجُونَ مِنْ أَوْطَانِهِمْ إِلَى الشَّامِ وَخَيْبَرَ ، لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا بِالْقَتْلِ، وَالسَّبْيِ كَمَا فَعَلَ بِقُرَيْظَةَ ، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ مَعَ مَا حَلَّ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا، ذَلِكَ الَّذِي لَحِقَهُمْ، بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ خَالَفُوهُمَا وَلَمْ يُطِيعُوهُمَا، وَالْآيَةُ مُفَسَّرَةٌ فِي الْأَنْفَالِ. قَوْلُهُ: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ وَهِيَ النَّخْلُ كُلُّهُ مَا خَلَا الْبَرْنِيِّ وَالْعَجْوَةِ، وَجَمْعُهَا لِيَانٌ ، قَالَ مُجَاهِدٌ : إِنَّ بَعْضَ الْمُهَاجِرِينَ وَقَعُوا فِي قَطْعِ النَّخِيلِ، وَنَهَاهُمْ بَعْضُهُمْ، وَقَالُوا: إِنَّمَا هِيَ مَغَانِمُ الْمُسْلِمِينَ. وَقَالَ الَّذِينَ قَطَعُوا: بَلْ هُوَ غَيْظٌ لِلْعَدُوِّ. وَنَزَلَ الْقُرْآنُ بِتَصْدِيقِ مَنْ نَهَى عَنِ الْقَطْعِ، وَتَحْلِيلِ مَنْ قَطَعَهُ مِنَ الْإِثْمِ، فَقَالَ: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا الْآيَةَ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَنَا عَمْرُو بْنُ مَطَرٍ ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ ، نَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، أَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ ، عَنِ اللَّيْثِ قَالَ الزَّجَّاجُ : وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ بِأَنْ يُرِيَهُمْ أَمْوَالَهُمْ يَتَحَكَّمُ فِيهَا الْمُؤْمِنُونَ كَيْفَ أَحَبُّوا مَنْ قَطَعَ، وَتَرَكَ. وَالتَّقْدِيرُ: وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ إِذَنْ فِي ذَلِكَ، وَدَلَّ عَلَى هَذَا الْمَحْذُوفِ قَوْلُهُ: فَبِإِذْنِ اللَّهِ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية