الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      ثُمَّ بَيَّنَ مَنِ الْمَسَاكِينُ الَّذِينَ لَهُمُ الْحَقُّ، بِقَوْلِهِ: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَعْنِي: أَنَّ كُفَّارَ مَكَّةَ أَخْرَجُوهُمْ، يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ رِزْقًا يَأْتِيهِمْ، وَرِضْوَانًا رِضَا رَبِّهِمْ حِينَ خَرَجُوا إِلَى دَارِ الْهِجْرَةِ، أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ فِي إِيمَانِهِمْ. ثُمَّ مَدَحَ الْأَنْصَارَ حِينَ طَابَتْ أَنْفُسُهُمْ عَنِ الْفَيْءِ، فَقَالَ: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ يَعْنِي: الْمَدِينَةَ، وَهِيَ دَارُ الْهِجْرَةِ، تَبَوَّأَهَا الْأَنْصَارُ قَبْلَ الْمُهَاجِرِينَ، وَتَقْدِيرُ الْآيَةِ: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَالْإِيمَانَ؛ لِأَنَّ الْأَنْصَارَ لَمْ يُؤْمِنُوا قَبْلَ الْمُهَاجِرِينَ، وَعَطْفُ الْإِيمَانِ عَلَى الدَّارِ فِي الظَّاهِرِ لَا فِي الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ بِمَكَانٍ يُتَبَوَّأُ، وَالتَّقْدِيرُ: وَآثَرُوا الْإِيمَانَ، أَوِ اعْتَقَدُوا الْإِيمَانَ، يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ أَحْسَنُوا إِلَى الْمُهَاجِرِينَ، وَأَشْرَكُوهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَمَسَاكِنِهِمْ، وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا أَيْ: حَسَدًا، وَحَزَازَةً مِمَّا أُوتِيَ الْمُهَاجِرُونَ دُونَهُمْ، وَيُؤْثِرُونَ الْمُهَاجِرِينَ، عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِأَمْوَالِهِمْ وَمَنَازِلِهِمْ، وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ فَقْرٌ وَحَاجَةٌ، بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ إِيثَارَهُمْ لَمْ يَكُنْ عَنْ غِنًى وَعَنْ مَالٍ، وَلَكِنْ كَانَ حَاجَةً، وَكَانَ ذَلِكَ أَعْظَمَ لِأَجْرِهِمْ. أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الشَّيْبَانِيُّ ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، أَنَا مَحْمُودُ بْنُ خِدَاشٍ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَا أَخَذْتُ بِيَدِي مِيزَانًا قَطُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ ، نَا الْفُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ أَصَابَهُ الْجَهْدُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي فَبَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَزْوَاجِهِ، هَلْ عِنْدَكُنَّ شَيْءٌ، فَكُلُّهُنَّ قُلْنَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدَنَا إِلَّا الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَا يُطْعِمُكَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يُضِيفُ هَذَا هَذِهِ اللَّيْلَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ؟ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَتَى بِهِ مَنْزِلَهُ، فَقَالَ لِأَهْلِهِ: هَذَا ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكْرِمِيهِ وَلَا تَدَّخِرِي عَنْهُ شَيْئًا، فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ الصِّبْيَةِ، فَقَالَ: قُومِي فَعَلِّلِيهِمْ عَنْ قُوتِهِمْ حَتَّى يَنَامُوا وَلَا يَطْعَمُوا شَيْئًا، ثُمَّ أَسْرِجِي وَابْرُزِي، فَإِذَا أَخَذَ الضَّيْفُ لِيَأْكُلَ قُومِي كَأَنَّكَ تُصْلِحِينَ السِّرَاجَ، فَأَطْفِئِيهِ وَتَعَالَيْ نَمْضُغُ أَلْسِنَتَنَا لِضَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يَشْبَعَ، فَقَامَتْ إِلَى الصِّبْيَةِ فَعَلَّلَتْهُمْ حَتَّى نَامُوا عَنْ قُوتِهِمْ، ثُمَّ قَامَتْ وَخَرَجَتْ، فَلَمَّا أَخَذَ الضَّيْفُ لِيَأْكُلَ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ السِّرَاجَ، فَأَطْفَأَتْهُ وَجَعَلَا يَمْضُغَانِ أَلْسِنَتَهُمَا، فَظَنَّ الضَّيْفُ أَنَّهُمَا يَأْكُلَانِ مَعَهُ حَتَّى شَبِعَ، وَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَا غَدَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمَا تَبَسَّمَ، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانَةَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ". وَقَالَ دَاوُودُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ : كَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ يَحْلِفُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: مَا فِي الْأَنْصَارِ بَخِيلٌ، وَيَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ . وَقَوْلُهُ: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ قَالَ مُقَاتِلٌ : حِرْصَ نَفْسِهِ. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ : مَنْ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ، وَلَمْ يَمْنَعْ شَيْئًا أَمَرَهُ اللَّهُ بِأَدَائِهِ، فَقَدْ وُقِيَ شُحَّ نَفْسِهِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : شُحُّ النَّفْسِ هُوَ أَخْذُ الْحَرَامِ، وَمَنْعُ الزَّكَاةِ. وَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، فَقَالَ: لَقَدْ خِفْتُ أَلَّا تُصِيبَنِي هَذِهِ الْآيَةُ: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَاللَّهِ أَقْدِرُ أَنْ أُعْطِيَ شَيْئًا أُطِيقُ مَنْعَهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : إِنَّمَا ذَلِكَ الْبُخْلُ، وَبِئْسَ الشَّيْءُ الْبُخْلُ، وَلَكِنَّ الشُّحَّ أَنْ تَأْخُذَ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقِّهِ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية