الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ يَعْنِي: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وَأَصْحَابَهُ، قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَتَمَّ الْخَبَرُ عَنْهُمْ، ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ أَيْ: أَنَّهُ أَرْسَلَكَ، فَهُوَ يَعْلَمُ إِنَّكَ رَسُولُهُ، وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ جَعَلَهُمْ كَاذِبِينَ، لِأَنَّهُمْ أَضْمَرُوا غَيْرَ مَا أَظْهَرُوا، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ بِالْقَلْبِ، وَمَنْ قَالَ شَيْئًا وَاعْتَقَدَ خِلَافَهُ فَهُوَ كَاذِبٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَسَمَّاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى كَاذِبِينَ. اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي سُورَةِ الْمُجَادِلَةِ، قَالَ الضَّحَّاكُ : حِلْفَهُمْ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ. فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ 4 مَنَعُوا النَّاسَ عَنِ الْجِهَادِ وَالْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ذَلِكَ أَيْ: ذَلِكَ الْكَذِبُ، بِأَنَّهُمْ آمَنُوا بِاللِّسَانِ، ثُمَّ كَفَرُوا فِي السِّرِّ، فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ بِالْكُفْرِ، فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ الْإِيمَانَ وَالْقُرْآنَ. وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ يَعْنِي: أَنَّ لَهُمْ أَجْسَامًا وَمَنَاظِرَ، وَإِنْ يَقُولُوا إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ، تَسْمَعُ لِقَوْلِهِمْ فَتَحْسَبُ أَنَّهُ حَقٌّ وَصِدْقٌ مِنْهُمْ، كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ لَا أَرْوَاحَ فِيهَا، فَلَا تَعْقِلْ وَلَا تَفْهَمْ، وَكَذَلِكَ الْمُنَافِقُونَ لَا يَسْمَعُونَ الْإِيمَانَ وَلَا يَعْقِلُونَهُ، قَالَ الزَّجَّاجُ : وَصَفَهُمْ بِتَمَامِ الصُّورِ، وَحُسْنِ الْإِبَانَةِ، ثُمَّ أَعْلَمَ أَنَّهُمْ فِي تَرْكِهِمُ التَّفَهُّمَ، وَالِاسْتِبْصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْخُشُبِ. وَقَوْلُهُ: مُسَنَّدَةٌ أَيْ: مُمَالَةٌ إِلَى الْجِدَارِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: أَسْنَدْتُ الشَّيْءَ أَيْ: أَمَلْتُهُ، وَالتَّفْعِيلُ لِلتَّكْثِيرِ؛ لِأَنَّهُ صِفَةُ خُشُبٍ، وَهِيَ جَمْعٌ، وَأَرَادَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِأَشْجَارٍ تُثْمِرُ وَتَنْمُو، أَوْ تُحْسِنُ مَنْظَرَهَا، بَلْ هِيَ خُشُبٌ مُسْنَدَةٌ إِلَى حَائِطٍ، ثُمَّ عَابَهُمْ بِالْجُبْنِ، فَقَالَ: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ لَا يَسْمَعُونَ صَوْتًا إِلَّا ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ أُوتُوا، إِنْ نَادَى مُنَادٍ فِي الْعَسْكَرِ، أَوِ انْفَلَتَتْ دَابَّةٌ، أَوْ نُشِدَتْ ضَالَّةٌ، ظَنُّوا أَنَّهُمْ هُمُ الْمُرَادُونَ، مِمَّا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ أَنْ يَكْشِفَ اللَّهُ أَسْرَارَهُمْ، ثُمَّ أَخْبَرَ بِعَدَاوَتِهِمْ، فَقَالَ: هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ أَيِ: احْذَرْ أَنْ تَأْمَنَهُمْ عَلَى سِرِّكَ، لِأَنَّهُمْ عُيُونٌ لِأَعْدَائِكَ مِنَ الْكُفَّارِ، قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ مُفَسَّرٌ فِي سُورَةِ "بَرَاءَةٌ".

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية