الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ "ن" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَعْنِي: الْحُوتَ الَّذِي عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ. وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ ، وَمُقَاتِلٍ ، وَالسُّدِّيِّ ، قَالُوا: هُوَ الْحُوتُ الَّذِي يَحْمِلُ الْأَرْضَ. وَرَوَى عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ: ن هَاهُنَا آخِرُ حُرُوفِ الرَّحْمَنِ. وَالْقَلَمِ قَالَ جَمَاعَةُ الْمُفَسِّرِينَ: هُوَ الْقَلَمُ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ بِهِ اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ ، نَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ ، نَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ ، نَا الْمُحَارِبِيُّ ، وَعُبَيْدَةُ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ، فَقِيلَ لَهُ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ: ثُمَّ خَلَقَ نُونًا فَبَسَطَ الْأَرْضَ عَلَى ظَهْرِهِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ن وَالْقَلَمِ وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ: ن الدَّوَاةُ. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا. أَخْبَرَنَاهُ أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ ، أَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ ، نَا الْوَلِيدُ بْنُ أَبَانٍ ، نَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ ، نَا أَبُو مَرْوَانَ هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْرَقُ ، نَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى الْخُشَنِيُّ ، حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: "إِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ الْقَلَمُ، ثُمَّ خَلَقَ النُّونَ وَهِيَ الدَّوَاةُ، ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنْ عَمَلٍ أَوْ أَثَرٍ أَوْ رِزْقٍ أَوْ أَجَلٍ فَكَتَبَ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ خَتَمَ عَلَى الْقَلَمِ فَلَمْ يَنْطِقْ وَلَا يَنْطِقُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ". وَقَوْلُهُ: وَمَا يَسْطُرُونَ يَعْنِي: مَا تَكْتُبُ الْمَلَائِكَةُ الْحَفَظَةُ مِنْ أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ. مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ هَذَا جَوَابٌ لِقَوْلِهِمْ: يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ، فَأَقْسَمَ اللَّهُ بِنُونٍ، وَبِالْقَلَمِ، وَبِأَعْمَالِ بَنِي آدَمَ، فَقَالَ: مَا أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ أَيْ: بِإِنْعَامِهِ عَلَيْكَ بِالْإِيمَانِ وَالنُّبُوَّةِ، بِمَجْنُونٍ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ : هَذَا كَمَا تَقُولُ: أَنْتَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ فَهِمٌ، وَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ بِجَاهِلٍ. وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا بِصَبْرِكَ عَلَى بَهْتِهِمْ، وَافْتِرَائِهِمْ عَلَيْكَ، وَنِسْبَتِهِمْ إِيَّاكَ إِلَى الْجُنُونِ، غَيْرَ مَمْنُونٍ غَيْرَ مَنْقُوصٍ، وَلَا مَقْطُوعٍ. قَوْلُهُ: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ قَالَ عَطَاءٌ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : يُرِيدُ: دِينٌ عَظِيمٌ، لَمْ أَخْلُقْ دِينًا أَحَبَّ إِلَيَّ وَلَا أَرْضَى عِنْدِي مِنْهُ. وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ، قَالُوا: يَعْنِي: الْإِسْلَامَ وَالدِّينَ. وَرَوَى عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ: يَعْنِي: الْقُرْآنَ. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَالْعَوْفِيِّ : أَدَبَ الْقُرْآنِ. وَفَسَّرَهُ قَتَادَةُ ، فَقَالَ: هُوَ مَا كَانَ يَأْتَمِرُ بِهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، وَيَنْتَهِي عَنْهُ مِنَ اللَّهِ. وَاخْتَارَهُ الزَّجَّاجُ ، فَقَالَ: الْمَعْنَى: إِنَّكَ عَلَى الْخُلُقِ الَّذِي أَمَرَكَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ. أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْشَاذٍ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ السُّلَمِيُّ ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْمَاسَرْجِسِيُّ ، نَا الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى ، نَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، نَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ ، حَدَّثَنِي الْحَسَنُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ : مَا كَانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَتْ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ فَخُلُقُهُ الْقُرْآنُ. أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّازُ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْحِيرِيُّ ، أَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الدِّمَشْقِيُّ ، نَا مَرْوَانُ ، نَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، نَا زَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ ، عَنْ يُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، قَالَ: سُئِلَتْ عَائِشَةُ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ، يَسْخَطُ لِسَخَطِهِ، وَيَرْضَى لِرِضَاهُ . قَوْلُهُ: فَسَتُبْصِرُ يَا مُحَمَّدُ ، وَيُبْصِرُونَ يَعْنِي: أَهْلَ مَكَّةَ ، قَالَ مُقَاتِلٌ : هَذَا وَعِيدٌ بِالْعَذَابِ بِبَدْرٍ يَعْنِي: سَتَرَى، وَيَرَى أَهْلُ مَكَّةَ إِذَا نَزَلَ بِهِمُ الْعَذَابُ بِبَدْرٍ . بِأَيِّكُمُ الْبَاءُ زَائِدَةٌ، وَالْمَعْنَى: أَيُّكُمُ الْمَفْتُونُ الْمَجْنُونُ الَّذِي فُتِنَ بِالْجُنُونِ، أَأَنْتَ أَمْ هُمْ؟ يَعْنِي: أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ عِنْدَ الْعَذَابِ أَنَّ الْجُنُونَ كَانَ بِهِمْ حِينَ عَبَدُوا الْأَصْنَامَ، وَتَرَكُوا دِينَكَ لَا بِكَ. أَخْبَرَ أَنَّهُ عَالِمٌ بِالْفَرِيقَيْنِ، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ الْآيَةَ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية