الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلَا يَسْتَثْنُونَ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ أَيْ: بَلَوْنَا أَهْلَ مَكَّةَ بِالْجُوعِ وَالْقَحْطِ، كَمَا ابْتَلَيْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ حِينَ هَلَكَتْ جَنَّاتُهُمْ، وَهُمْ قَوْمٌ مِنْ ثَقِيفٍ كَانُوا بِالْيَمَنِ مُسْلِمِينَ، وَرِثُوا مِنْ أَبِيهِمْ ضَيْعَةً فِيهَا جَنَانٌ وَزُرُوعٌ وَنَخِيلٌ، وَكَانَ أَبُوهُمْ يَجْعَلُ مِمَّا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَظًّا لِلْمَسَاكِينِ عِنْدَ الْحَصَادِ وَالصِّرَامِ، فَقَالَ بَنُوهُ: الْمَالُ قَلِيلٌ، وَالْعِيَالُ كَثِيرٌ، وَلَا يَسَعُنَا أَنْ نَفْعَلَ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ أَبُونَا. وَعَزَمُوا عَلَى حِرْمَانِ الْمَسَاكِينِ، فَصَارَتْ عَاقِبَتُهُمْ إِلَى مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ حَلَفُوا لَيَقْطَعُنَّ ثَمَرَ نَخِيلِهِمْ، إِذَا أَصْبَحُوا بِسُدْفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْعُرَ الْمَسَاكِينُ. وَلَا يَسْتَثْنُونَ لَا يَقُولُونَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَحَاطَتْ بِهَا النَّارُ، فَاحْتَرَقَتْ. وَقَالَ قَتَادَةُ : طَرَقَهَا طَارِقٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ : بَعَثَ اللَّهُ نَارًا بِاللَّيْلِ عَلَى جَنَّتِهِمْ، فَأَحْرَقَتْهَا حَتَّى صَارَتْ سَوْدَاءَ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ كَاللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، وَالصَّرِيمَانِ: اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، لِانْصِرَامِ أَحَدِهِمَا مِنَ الْآخَرِ. فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ لَمَّا أَصْبَحُوا، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ يَعْنِي: الثِّمَارَ، وَالزُّرُوعَ، وَالْأَعْنَابَ، إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ قَاطِعِينَ لِلنَّخْلِ. فَانْطَلَقُوا ذَهَبُوا عَلَى جَنَّتِهِمْ، وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ يُسِرُّونَ الْكَلَامَ بَيْنَهُمْ، بِأَلَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ . وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ الْحَرْدُ فِي اللُّغَةِ يَكُونُ بِمَعْنَى: الْمَنْعِ، وَالْغَضَبِ، وَالْقَصْدِ، قَالَ قَتَادَةُ : عَلَى جَدٍّ مِنْ أَمْرِهِمْ. وَهُوَ قَوْلُ مُقَاتِلٍ ، وَالْكَلْبِيِّ ، وَالْحَسَنِ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَهَذَا بِمَعْنَى: الْقَصْدِ؛ لِأَنَّ الْقَاصِدَ إِلَى الشَّيْءِ جَادٌّ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ ، وَالْمُبَرِّدُ ، وَالْقُتَيْبِيُّ : غَدَوْا مِنْ بَيْتِهِمْ إِلَى جَنَّتِهِمْ عَلَى مَنْعِ الْمَسَاكِينِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَسُفْيَانُ : عَلَى حَنَقٍ، وَغَضَبٍ عَلَى الْمَسَاكِينِ. قَادِرِينَ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ عَلَى جَنَّتِهِمْ وَثِمَارِهِمْ، لَا يَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا آفَةٌ. فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ لَمَّا رَأَوُا الْجَنَّةَ مُحْتَرِقَةً، قَالُوا: إِنَّا قَدْ ضَلَلْنَا طَرِيقَ جَنَّتِنَا أَيْ: لَيْسَتْ هَذِهِ. ثُمَّ عَلِمُوا أَنَّهَا عُقُوبَةٌ، فَقَالُوا: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ أَيْ: حُرِمْنَا ثَمَرَ جَنَّتِنَا بِمَنْعِنَا الْمَسَاكِينِ. قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَعْدَلُهُمْ، وَأَفْضَلُهُمْ، أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ هَلَّا تَسْتَثْنُونَ، فَتَقُولُونَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ!!!؟ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ تَرْكَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْلِهِ: أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلَا يَسْتَثْنُونَ وَسَمَّى الِاسْتِثْنَاءَ تَسْبِيحًا؛ لِأَنَّهُ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ، وَإِقْرَارٌ بِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا نَزَّهُوهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ ظَالِمًا فِيمَا صَنَعَ، وَأَقَرُّوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالظُّلْمِ، فَقَالُوا: إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ بِمَنْعِنَا الْمَسَاكِينِ. فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ يَلُومُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي مَنْعِ الْمَسَاكِينِ حُقُوقَهُمْ. ثُمَّ نَادَوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْوَيْلِ، فَقَالُوا: يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ حِينَ لَمْ نَصْنَعْ مَا صَنَعَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ. ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى اللَّهِ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يُبَدِّلَهُمْ بِهَا خَيْرًا مِنْهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ . قَالَ اللَّهُ: كَذَلِكَ الْعَذَابُ يَعْنِي: كَمَا ذَكَرَ مِنْ إِحْرَاقِهَا بِالنَّارِ، وَتَمَّتْ قِصَّةُ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية