الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ الْحَاقَّةُ يَعْنِي: الْقِيَامَةَ فِي قَوْلِ جَمِيعِ الْمُفَسِّرِينَ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا ذَاتُ الْحَوَاقِّ مِنَ الْأُمُورِ، وَهِيَ الصَّادِقَةُ الْوَاجِبَةُ الصِّدْقِ، وَجَمِيعُ أَحْكَامِ الْقِيَامَةِ صَادِقَةٌ وَاجِبَةُ الْوُقُوعِ وَالْوُجُودِ. وَقَوْلُهُ: مَا الْحَاقَّةُ اسْتِفْهَامٌ، مَعْنَاهُ التَّفْخِيمُ لِشَأْنِهَا، كَمَا تَقُولُ: زَيْدٌ مَا هُوَ؟ عَلَى التَّعْظِيمِ لِشَأْنِهِ. ثُمَّ زَادَ فِي التَّهْوِيلِ، فَقَالَ: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ أَيْ: كَأَنَّكَ لَسْتَ تَعْلَمُهَا؛ إِذْ لَمْ تُعَايِنْهَا، وَلَمْ تَرَ مَا فِيهَا مِنَ الْأَهْوَالِ. ثُمَّ أَخْبَرَ عَنِ الْمُكَذِّبِينَ بِهَا، فَقَالَ: كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ وَهِيَ الَّتِي تَقْرَعُ قُلُوبَ الْعِبَادِ بِالْمَخَافَةِ. فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ يَعْنِي: بِطُغْيَانِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَقَالَ آخَرُونَ: يَعْنِي: بِالصَّيْحَةِ الطَّاغِيَةَ، وَهِيَ الَّتِي جَاوَزَتِ الْمِقْدَارَ. وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ وَقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهَا، عَاتِيَةٍ عَتَتْ عَلَى خُزَّانِهَا، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَلَيْهَا سَبِيلٌ، وَلَمْ يَعْرِفُوا كَمْ خَرَجَ مِنْهَا. أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ التَّاجِرُ ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَافِظُ ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ، نَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، حَدَّثَنِي عَقِيلٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ ، أَنَّهُ قَالَ: مَا يَخْرُجُ مِنَ الرِّيحِ شَيْءٌ إِلَّا عَلَيْهَا خُزَّانٌ يَعْلَمُونَ قَدْرَهَا، وَعَدَدَهَا، وَكَيْلَهَا، حَتَّى كَانَتِ الَّتِي أُرْسِلَتْ عَلَى عَادٍ، فَانْدَفَقَ مِنْهَا شَيْءٌ لَا يَعْلَمُونَ قَدْرَهُ غَضَبًا لِلَّهِ تَعَالَى؛ وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ عَاتِيَةً. وَقَوْلُهُ: سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ قَالَ مُقَاتِلٌ : سَلَّطَهَا. وَقَالَ الزَّجَّاجُ : أَقَامَهَا عَلَيْهِمْ كَمَا شَاءَ. سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا وَلَاءً مُتَتَابِعَةً، يَعْنِي: أَنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ وَاللَّيَالِي تَتَابَعَتْ عَلَيْهِمْ بِالرِّيحِ الْمُهْلِكَةِ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا فُتُورٌ، وَلَا انْقِطَاعٌ. قَالَ الْفَرَّاءُ : وَالْحُسُومُ التَّتَابُعُ إِذَا تَتَابَعَ الشَّيْءُ وَلَمْ يَنْقَطِعْ أَوَّلُهُ عَنْ آخِرِهِ، قِيلَ لَهُ: حُسُومٌ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ : الَّذِي تُوجِبُهُ اللُّغَةُ فِي مَعْنَى حُسُومًا أَيْ: تَحْسِمُهُمْ حُسُومًا تُفْنِيهِمْ وَتُذِهِبُهُمْ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ : حَسَمَتْهُمُ فَقَطَعَتْهُمْ، وَأَهْلَكَتْهُمْ. فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا أَيْ: فِي تِلْكَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ، صَرْعَى جَمْعُ صَرِيعٍ، يَعْنِي: أَنَّهُمْ صُرِعُوا بِمَوْتِهِمْ، كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ أُصُولُ نَخْلٍ سَاقِطَةٍ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ وَقَدْ مَرَّ. فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ أَيْ: مِنْ نَفْسٍ بَاقِيَةٍ، يَعْنِي: لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ. وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأُمَمِ الْكَافِرَةِ، وَقُرِئَ "وَمَنْ قِبَلَهُ" يَعْنِي: مَنْ يَلِيهِ، وَيَحُفُّ بِهِ مِنْ جُنُودِهِ وَأَتْبَاعِهِ، وَالْمُؤْتَفِكَاتُ يَعْنِي: قُرَى قَوْمِ لُوطٍ ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى: وَأَهْلُ الْمُؤْتَفِكَاتِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ: الْأُمَمَ وَالْجَمَاعَاتِ الَّذِينَ ائْتَفَكُوا بِخَطِيئَتِهِمْ، وَقَوْلُهُ: بِالْخَاطِئَةِ يَعْنِي: الشِّرْكَ وَالْكُفْرَ، وَهِيَ: مَصْدَرٌ كَالْخَطَأِ وَالْخَطِيئَةِ. فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ يَعْنِي: لُوطًا ، وَمُوسَى ، فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً نَامِيَةً، زَائِدَةً عَلَى عَذَابِ الْأُمَمِ، قَالَ الزَّجَّاجُ : تَزِيدُ عَلَى الْأَخَذَاتِ. وَقَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ: بَالِغَةٌ فِي الشِّدَّةِ، يُقَالُ: رَبَا الشَّيْءُ يَرْبُو إِذَا زَادَ وَتَضَاعَفَ. قَوْلُهُ: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ أَيْ: تَجَاوَزَ حَدَّهُ حَتَّى عَلَا كُلَّ شَيْءٍ، وَارْتَفَعَ فَوْقَهُ، يَعْنِي: زَمَنَ نُوحٍ ، حَمَلْنَاكُمْ حَمَلْنَا آبَاءَكُمْ، وَأَنْتُمْ فِي أَصْلَابِهِمْ، فِي الْجَارِيَةِ فِي السَّفِينَةِ، الَّتِي تَجْرِي فِي الْمَاءِ. "لِنَجْعَلَهَا" لِنَجْعَلَ تِلْكَ الْفِعْلَةَ الَّتِي فَعَلْنَاهَا، مِنْ إِغْرَاقِ قَوْمِ نُوحٍ ، وَنَجَاةِ مَنْ حَمَلْنَاهُ، "تَذْكِرَةً لَكُمْ" عِبْرَةً، وَمَوْعِظَةً، وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ تَحْفَظُهَا، وَتَسْمَعُهَا أُذُنٌ حَافِظَةٌ لِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. قَالَ قَتَادَةُ : أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَعَقَلَتْ مَا سَمِعَتْ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ : لِتَحْفَظَهَا كُلُّ أُذُنٍ؛ فَتَكُونُ عِظَةً لِمَنْ يَأْتِي بَعْدُ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية