الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ أَصْلُهُ الْمُتَزَمِّلُ، فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الزَّايِ، وَالْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ يَتَزَمَّلُ بِالثِّيَابِ فِي أَوَّلِ مَا جَاءَهُ جِبْرِيلُ فَرَقًا مِنْهُ، حَتَّى أَنِسَ بِهِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ : يَعْنِي: يَا أَيُّهَا النَّائِمُ، وَكَانَ قَدْ تَزَمَّلَ لِلنَّوْمِ. وَمَعْنَى التَّزَمُّلِ: التَّلَفُّفُ فِي الثَّوْبِ، وَخُوطِبَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي أَوَّلِ مَا بُدِئَ بِالْوَحْيِ، وَلَمْ يَكُنْ قَدْ بَلَّغَ شَيْئًا، ثُمَّ خُوطِبَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالنَّبِيِّ وَالرَّسُولِ. قُمِ اللَّيْلَ أَيْ: لِلصَّلَاةِ، وَكَانَ قِيَامُ اللَّيْلِ فَرِيضَةً عَلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَوْلُهُ: إِلَّا قَلِيلًا تَقْدِيرُ الْآيَةِ: قُمِ اللَّيْلَ، نِصْفَهُ إِلَّا قَلِيلًا، أَيْ: قُمْ نِصْفَ اللَّيْلِ، أَيْ: صَلِّ مِنَ اللَّيْلِ النِّصْفَ إِلَّا قَلِيلًا، وَهُوَ قَوْلُهُ: أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَيْ: مِنَ النِّصْفِ. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ عَلَى النِّصْفِ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَوِ انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ قَلِيلًا إِلَى الثُّلُثِ، أَوْ زِدْ عَلَى النِّصْفِ قَلِيلًا إِلَى الثُّلُثَيْنِ، جَعَلَ لَهُ سِعَةً فِي مُدَّةِ قِيَامِهِ فِي اللَّيْلِ، وَخَيَّرَهُ فِي السَّاعَاتِ لِلْقِيَامِ، فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَعَهُ يَقُومُونَ عَلَى هَذِهِ الْمَقَادِيرِ، وَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى؟ وَكَمْ بَقِيَ مِنَ اللَّيْلِ؟ فَكَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ كُلَّهُ؛ مَخَافَةَ أَنْ لَا يَحْفَظَ الْقَدْرَ الْوَاجِبَ، حَتَّى خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِآخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ. أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُفْيَانَ ، نَا مُسْلِمٌ ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ مُثَنَّى ، نَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى ، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ : أَنْبِئِينِي عَنْ قِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّيْلِ، فَقَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا، وَأَمْسَكَ اللَّهُ خَاتِمَتَهَا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فِي السَّمَاءِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ التَّخْفِيفَ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ . وَقَوْلُهُ: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا قَالَ عَطَاءٌ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : بَيِّنْهُ بَيَانًا. قَالَ الزَّجَّاجُ : وَالْبَيَانُ لَا يَتِمُّ بِأَنْ يُعَجِّلَ فِي الْقُرْآنِ، إِنَّمَا يَتِمُّ بِأَنْ يُبَيِّنَ جَمِيعَ الْحُرُوفِ، وَيُوَفِّيَ حَقَّهَا مِنَ الْإِشْبَاعِ. قَالَ أَبُو حَمْزَةَ : قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : إِنِّي رَجُلٌ فِي قِرَاءَتِي، وَفِي كَلَامِي عَجَلَةٌ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لِأَنْ أَقْرَأَ الْبَقَرَةُ أُرَتِّلُهَا، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ. إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا لَيْسَ عَلَى ثِقَلِ الْحِفْظِ لَهُ، وَلَكِنْ مَا قَالَ الْحَسَنُ : إِنَّهُمْ لَيَهُذُّونَهُ هَذًّا، وَلَكِنَّ الْعَمَلَ بِهِ ثَقِيلٌ، وَقَالَ قَتَادَةُ : ثَقِيلٌ وَاللَّهِ فَرَائِضُهُ وَحُدُودُهُ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ : ثَقِيلٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْحُدُودِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : هُوَ وَاللَّهِ ثَقِيلٌ مُبَارَكٌ كَمَا ثَقُلَ فِي الدُّنْيَا، يَثْقُلُ فِي الْمَوَازِينِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ النَّصْرَوِيُّ ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَحَامِلِيُّ ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِمَادٍ الرَّازِيُّ ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، نَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا قَالَ: الْعَمَلُ بِهِ الْعَمَلُ بِهِ. قَوْلُهُ: إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ يَعْنِي: سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَآنَاءَهُ، قَالَ الزَّجَّاجُ : نَاشِئَةُ اللَّيْلِ: كُلُّ مَا نَشَأَ مِنْهُ أَيُّ حَدَثٍ فَهُوَ نَاشِئَةٌ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: اللَّيْلُ كُلُّهُ نَاشِئَةٌ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : هِيَ بِالْحَبَشِيَّةِ قِيَامُ اللَّيْلِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ: هِيَ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ نَشَأَ فُلَانٌ إِذَا قَامَ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: النَّاشِئَةُ: الْقِيَامُ بَعْدَ النَّوْمِ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : إِذَا نِمْتَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ ثُمَّ قُمْتَ، فَتِلْكَ النَّشْأَةُ، وَمِنْهُ نَاشِئَةُ اللَّيْلِ. هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا أَشَدُّ عَلَى الْمُصَلِّي مِنَ النَّهَارِ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ لِلنَّوْمِ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : أَثْقَلُ عَلَى الْمُصَلِّي مِنْ سَاعَاتِ النَّهَارِ، مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: اشْتَدَّتْ عَلَى الْقَوْمِ وَطْأَةُ السُّلْطَانِ إِذَا ثَقُلَ عَلَيْهِمْ مَا يَلْزَمُهُمْ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ" . وَمَنْ قَرَأَ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَالْمَدِّ، فَهُوَ فِعَالٌ مِنْ أَوْطَأْتُ فُلَانًا عَلَى كَذَا مُواطَأَةً، وَوَطْأً إِذَا وَافَقْتُهُ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يُوَاطِئُ السَّمْعُ الْقَلْبَ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ صَلَاةَ نَاشِئَةِ اللَّيْلِ يُوَاطِئُ السَّمْعُ الْقَلْبَ فِيهَا، أَكْثَرَ مِمَّا يُوَاطِئُ فِي سَاعَاتِ النَّهَارِ؛ لِأَنَّ الْبَالَ أَفْرَغُ لِلِانْقِطَاعِ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا يَشْغَلُ بِالنَّهَارِ، وَأَقْوَمُ قِيلًا وَأَشَدُّ اسْتِقَامَةً، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ : وَأَبْيَنُ قَوْلًا بِالْقُرْآنِ. إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا فَرَاغًا وَسِعَةً لِتَصَرُّفِكَ، وَقَضَاءِ حَوَائِجِكَ، وَالْمَعْنَى: إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ فَرَاغًا لِلنَّوْمِ، وَالتَّصَرُّفِ فِي الْحَوَائِجِ، فَصَلِّ مِنَ اللَّيْلِ، وَالتَّسَبُّحُ التَّقَلُّبُ، وَمِنْهُ السَّابِحُ فِي الْمَاءِ لِتَقَلُّبِهِ بِيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : أَيْ: تَصَرُّفًا، وَإِقْبَالًا، وَإِدْبَارًا فِي حَوَائِجِكَ وَأَشْغَالِكَ. وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا انْقَطِعْ إِلَيْهِ فِي الْعِبَادَةِ، وَهُوَ رَفْضُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَالْتِمَاسُ مَا عِنْدَ اللَّهِ، وَالْبَتْلُ فِي اللُّغَةِ: الْقَطْعُ وَتَمْيِيزُ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ، وَصَدَقَةٌ بَتْلَةٌ: مُنْقَطِعَةٌ مِنْ مَالِ صَاحِبِهَا، وَالتَّبَتُّلُ تَفْعِيلٌ مِنْهُ، قَالَ: بَتَلَهُ فَتَبَتَّلَ، وَمَعْنَى تَبَتَّلْ إِلَيْهِ: بَتِّلْ إِلَيْهِ نَفْسَكَ، فَلِذَلِكَ جَاءَ تَبْتِيلًا. رَبُّ الْمَشْرِقِ بِالْخَفْضِ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ: اسْمِ رَبِّكَ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَخَبَرُهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا أَيْ: كَفِيلًا بِمَا وَعَدَكَ أَنَّهُ سَيَفْعَلُهُ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية