الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ قَوْلُهُ تَعَالَى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ قَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَى شَهِدَ اللَّهُ: بَيَّنَ وَأَظْهَرَ; لِأَنَّ الشَّاهِدَ هُوَ الْعَالِمُ الَّذِي يُبَيِّنُ مَا عَلِمَهُ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ دَلَّ عَلَى تَوْحِيدِهِ بِجَمِيعِ مَا خَلَقَ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُنْشِئَ شَيْئًا وَاحِدًا مِمَّا أَنْشَأَ. وَقَوْلُهُ: وَأُولُو الْعِلْمِ أَيْ: وَشَهِدَ بِتَوْحِيدِهِ أُولُو الْعِلْمِ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُمْ، قَالَ مُقَاتِلٌ: هُمْ مُؤْمِنُو أَهْلِ الْكِتَابِ. وَقَالَ عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ وَالْكَلْبِيُّ: يَعْنِي عُلَمَاءَ الْمُؤْمِنِينَ كُلَّهُمْ. وَقَوْلُهُ: قَائِمًا بِالْقِسْطِ أَيْ: بِالْعَدْلِ، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ قَائِمٌ بِهَذَا الْأَمْرِ، أَيْ: يُجْرِيهِ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يُجْرِي التَّدْبِيرَ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ. أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَجَا، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْمُخْتَارِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ غَالِبٍ الْقَطَّانِ قَالَ: أَتَيْتُ الْكُوفَةَ فِي تِجَارَةٍ، فَنَزَلْتُ قَرِيبًا مِنَ الْأَعْشَى، فَكُنْتُ أَخْتَلِفُ إِلَيْهِ فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةٌ أَرَدْتُ أَنْ أَنْحَدِرَ إِلَى الْبَصْرَةِ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ، فَمَرَّ بِهَذِهِ: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ثُمَّ قَالَ الْأَعْشَى: وَأَنَا أَشْهَدُ بِمَا شَهِدَ اللَّهُ بِهِ، وَأَسْتَوْدِعُ اللَّهَ هَذِهِ الشَّهَادَةَ وَهِيَ لِي عِنْدَ اللَّهِ وَدِيعَةٌ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ قَالَهَا مِرَارًا. قُلْتُ: لَقَدْ سَمِعَ فِيهَا شَيْئًا، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ وَوَدَّعْتُهُ، ثُمَّ قُلْتُ: آيَةٌ سَمِعْتُكَ تُرَدِّدُهَا، قَالَ: أَوَمَا بَلَغَكَ مَا فِيهَا؟ قُلْتُ: أَنَا عِنْدَكَ مُنْذُ سَنَتَيْنِ لَمْ تُحَدِّثْنِي. قَالَ: وَاللَّهِ لَا أُحَدِّثُكَ بِهَا سَنَةً، فَكَتَبْتُ عَلَى بَابِهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَأَقَمْتُ سَنَةً، فَلَمَّا مَضَتِ السَّنَةُ قُلْتُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ قَدْ مَضَتِ السَّنَةُ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يُجَاءُ بِصَاحِبِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ: إِنَّ لِعَبْدِي هَذَا عَنِّي عَهْدًا، وَأَنَا أَحَقُّ مَنْ وَفَّى بِالْعَهْدِ أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ". قَوْلُهُ: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ الْأَحْسَنُ كَسْرُ أَلْفِ (إِنَّ ) لِأَنَّ الْكَلَامَ الَّذِي قَبْلَهُ قَدْ تَمَّ، وَوَجْهُ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ بِالْفَتْحِ: أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ وَاقِعَةً عَلَى "أَنَّ"، عَلَى أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الْأُولَى، فَكَأَنَّ التَّقْدِيرَ: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ، دِينُ اللَّهِ الَّذِي شَرَعَ لِنَفْسِهِ، وَبَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ، وَدَلَّ عَلَيْهِ أَوْلِيَاءَهُ، وَلَا يَقْبَلُ غَيْرَهُ وَلَا يَجْزِي إِلَّا بِهِ. وَمَعْنَى "الْإِسْلَامِ" فِي اللُّغَةِ: الدُّخُولُ فِي السِّلْمِ، أَيْ: فِي الِانْقِيَادِ وَالْمُتَابَعَةِ، ثُمَّ مِنَ الْإِسْلَامِ مَا هُوَ مُتَابَعَةٌ وَانْقِيَادٌ بِاللِّسَانِ دُونَ الْقَلْبِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ، وَمِنْهُ مَا هُوَ مُتَابَعَةٌ وَانْقِيَادٌ بِاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَوَى الْحَسَنُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتَجِيءُ الصَّلَاةُ فَتَقُولُ: أَيْ رَبِّ، إِنِّي الصَّلَاةُ. فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ، ثُمَّ تَجِيءُ الصَّدَقَةُ فَتَقُولُ: أَيْ رَبِّ، إِنِّي الصَّدَقَةُ. فَيَقُولُ: إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ، وَيَجِيءُ الصِّيَامُ، وَتَجِيءُ الْأَعْمَالُ كَذَلِكَ، وَيَجِيءُ، أَحْسِبُهُ قَالَ: الْإِسْلَامُ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَنْتَ السَّلَامُ وَأَنَا الْإِسْلَامُ، فَيَقُولُ اللَّهُ: إِنَّكَ عَلَى خَيْرٍ، بِكَ آخُذُ الْيَوْمَ وَبِكَ أُعْطِي". ثُمَّ قَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ، وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ . قَوْلُهُ: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ وَأَتْبَاعَهُمْ. يَقُولُ: لَمْ تَخْتَلِفِ الْيَهُودُ فِي صِدْقِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا كَانُوا يَجِدُونَهُ فِي كِتَابِهِمْ مِنْ نَعْتِهِ. إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسُمِّيَ عِلْمًا لِأَنَّهُ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَدِّقُونَهُ بِنَعْتِهِ وَصِفَتِهِ قَبْلَ بَعْثِهِ، فَلَمَّا جَاءَهُمُ اخْتَلَفُوا، فَآمَنَ بَعْضُهُمْ وَكَفَرَ آخَرُونَ، فَقَالُوا: لَسْتَ الَّذِي وُعِدْنَا بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ . وَقَوْلُهُ: وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ هَذَا شَرْطٌ وَجَوَابٌ يَتَضَمَّنُ وَعِيدًا لِلْيَهُودِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَذُكِرَ مَعْنَى سَرِيعُ الْحِسَابِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ حَاجُّوكَ ) أَيْ: جَادَلُوكَ، يَعْنِي الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ 4 قَالَ الْفَرَّاءُ: أَخْلَصْتُ عَمَلِي لِلَّهِ. وَمَعْنَى الْوَجْهِ هَاهُنَا: الْعَمَلُ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ . وَقَوْلُهُ: وَمَنِ اتَّبَعَنِ يُرِيدُ: الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ، وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَعْنِي الْيَهُودَ، وَالْأُمِّيِّينَ يَعْنِي الْعَرَبَ أَأَسْلَمْتُمْ قَالَ الْفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ: مَعْنَاهُ الْأَمْرُ، أَيْ: أَسْلِمُوا. وَمِثْلُهُ قَوْلُ: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ أَيِ: انْتَهُوا، فَإِنْ أَسْلَمُوا أَيِ: انْقَادُوا لِلْقُرْآنِ، صَدَّقُوا بِمَا جِئْتَ بِهِ، فَقَدِ اهْتَدَوْا صَارُوا مُهْتَدِينَ، وَإِنْ تَوَلَّوْا أَعْرَضُوا عَنْكَ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ فَلَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا أَنْ تُبَلِّغَ الرِّسَالَةَ، وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ: بِمَنْ آمَنَ بِكَ وَصَدَّقَكَ، وَبِمَنْ كَفَرَ بِكَ وَكَذَّبَكَ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية