الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى أَيْ: نَزِّهْهُ مِنَ السُّوءِ، وَقُلْ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى. قَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ: قَدِ احْتَجَّ بِهَذَا الْفَصْلِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الِاسْمَ وَالْمُسَمَّى وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَقُولُ: سُبْحَانَ اسْمَ اللَّهِ، وَسُبْحَانَ اسْمَ رَبِّنَا، فَمَعْنَى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ : سَبِّحْ رَبَّكَ، وَالرَّبُّ أَيْضًا اسْمٌ، فَلَوْ كَانَ غَيْرَ الْمُسَمَّى، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقَعَ التَّسْبِيحُ عَلَيْهِ. أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْشَاذَ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدُونَ ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْهَيْثَمِ الزُّهْرِيُّ ، نَا آدَمُ ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ ، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمَذَانِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقُولُ فِي سُجُودِنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَقُولَ فِي سُجُودِنَا: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى وَيُسَنُّ لِلْقَارِئِ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، نَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ ، نَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ ، نَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَنْ قَرَأَ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ، فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى قَالَ الْكَلْبِيُّ : خَلَقَ كُلَّ ذِي رُوحٍ، فَجَمَعَ خَلْقَهُ وَسَوَّاهُ: الْيَدَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ، وَالْعَيْنَيْنِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ : خَلَقَ الْإِنْسَانَ مُسْتَوِيًا، وَمَعْنَى سَوَّى: عَدَلَ قَامَتَهُ. وَالَّذِي قَدَّرَ وَقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ، وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: قَدَّرَ خَلْقَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى مِنَ الدَّوَابِّ، فَهَدَى الذَّكَرَ لِلْأُنْثَى كَيْفَ يَأْتِيهَا. قَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ: مَعْنَى هَدَى: هِدَايَةُ الذَّكَرِ لِإِتْيَانِ الْأُنْثَى كَيْفَ يَأْتِيهَا؛ لِأَنَّ إِتْيَانَ ذُكْرَانِ الْحَيَوَانِ مُخْتَلِفٌ؛ لِاخْتِلَافِ الصُّوَرِ، وَالْخَلْقِ، وَالْهَيْئَاتِ، فَلَوْلَا أَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ جَبَلَ كُلَّ ذَكَرٍ عَلَى مَعْرِفَةِ كَيْفَ يَأْتِي أُنْثَاهُ، لَمَا اهْتَدَى لِذَلِكَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ : هَدَى الْإِنْسَانَ لِسَبِيلِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَالسَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ : قَدَّرَ مُدَّةَ الْجَنِينِ فِي الرَّحِمِ، ثُمَّ هَدَى لِلْخُرُوجِ. وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى أَنْبَتَ الْعُشْبَ، وَمَا يَرْعَاهُ النِّعَمُ، فَجَعَلَهُ بَعْدَ الْخُضْرَةِ، غُثَاءً هَشِيمًا، جَافًّا، كَالْغُثَاءِ الَّذِي نَرَاهُ فَوْقَ السَّيْلِ، أَحْوَى أَسْوَدَ بَعْدَ الْخُضْرَةِ، وَذَلِكَ: أَنَّ الْكَلَأَ إِذَا جَفَّ يَبِسَ وَاسْوَدَّ. قَوْلُهُ: سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى أَيْ: سَنَجْعَلُكَ قَارِئًا، بِأَنْ نُلْهِمَكَ الْقِرَاءَةَ، فَلَا تَنْسَى مَا تَقْرَأُهُ، قَالَ الزَّجَّاجُ : أَعْلَمَ اللَّهُ أَنَّهُ سَيَجْعَلُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيَةً يَتَبَيَّنُ بِهَا لَهُ الْفَضِيلَةُ، وَهِيَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ فَيُقْرِئَهُ حَتَّى يَقْرَأَ، فَيَقْرَأُ وَلَا يَنْسَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ أُمِّيٌّ لَا يَكْتُبُ وَلَا يَقْرَأُ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، أَكْثَرَ تَحْرِيكَ لِسَانِهِ؛ مَخَافَةَ أَنْ يَنْسَاهُ ، وَكَانَ لَا يَفْرَغُ جِبْرِيلُ مِنْ آخِرِ الْوَحْيِ حَتَّى يَتَكَلَّمَ هُوَ بِأَوَّلِهِ؛ مَخَافَةَ النِّسْيَانِ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى وَهَذَا كَقَوْلِهِ: وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ الْآيَةَ، وَكَقَوْلِهِ: لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ الْآيَةَ. إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُنْسِيَكَ بِنَسْخِهِ، وَرَفْعِ حُكْمِهِ، وَتِلَاوَتِهِ، كَمَا قَالَ: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا وَالْإِنْسَاءُ نَوْعٌ مِنَ النَّسْخِ، إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَمَا يَخْفَى مِنْهَا، وَالْمَعْنَى: يَعْلَمُ السِّرَّ وَالْعَلَانِيَةَ. وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى قَالَ مُقَاتِلٌ : يُهَوِّنُ عَلَيْكَ عَمَلَ الْجَنَّةِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : نُيَسِّرُكَ لِأَنْ تَعْمَلَ خَيْرًا، وَالْيُسْرَى عَمَلُ الْخَيْرِ. فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى أَيْ: عِظْ يَا مُحَمَّدُ أَهْلَ مَكَّةَ بِالْقُرْآنِ ، إِنْ نَفَعَتِ الْمَوْعِظَةُ وَالتَّذْكِيرُ، وَالْمَعْنَى: إِنْ نَفَعَتْ أَوْ لَمْ تَنْفَعْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُعِثَ مُبَلِّغًا لِلْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ، فَعَلَيْهِ التَّذْكِيرُ فِي كُلِّ حَالٍ، نَفَعَ أَوْ لَمْ يَنْفَعْ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْحَالَةَ الثَّانِيَةَ، كَقَوْلِهِ: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ الْآيَةَ. وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى تَفْصِيلِ الْحَالَتَيْنِ، بِقَوْلِهِ: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى سَيَتَّعِظُ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخْشَى اللَّهَ، وَيَتَجَنَّبُهَا وَيَتَجَنَّبُ الذِّكْرَى، الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى الْعَظِيمَةَ الْفَظِيعَةَ؛ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ، وَأَشَدُّ حَرًّا مِنْ نَارِ الدُّنْيَا ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا فَيَسْتَرِيحُ، وَلَا يَحْيَى حَيَاةً تَنْفَعُهُ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية