الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا فَأَمَّا الْإِنْسَانُ قَالَ عَطَاءٌ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : يُرِيدُ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ ، وَأَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ : هُوَ الْكَافِرُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ . وَقَالَ مُقَاتِلٌ : نَزَلَتْ فِي أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ . إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ اخْتَبَرَهُ بِالْغِنَى وَالْيُسْرِ، فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ رَزَقَهُ، وَأَنْعَمَ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ فَضَّلَنِي بِمَا أَعْطَانِي، يَظُنُّ أَنَّ مَا أَعْطَاهُ مِنَ الدُّنْيَا لِكَرَامَتِهِ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: هَذِهِ كَرَامَةٌ مِنَ اللَّهِ لِي. وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ بِالْفَقْرِ، فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ضَيَّقَ عَلَيْهِ، بِأَنْ جَعَلَهُ عَلَى مِقْدَارِ الْبُلْغَةِ، قَالَ: هَذَا هَوَانٌ مِنَ اللَّهِ لِي. فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ أَذَلَّنِي بِالْفَقْرِ، قَالَ الزَّجَّاجُ : وَهَذَا يُعْنَى بِهِ الْكَافِرُ، الَّذِي لَا يُؤْمِنُ بِالْبَعْثِ، إِنَّمَا الْكَرَامَةُ عِنْدَهُ وَالْهَوَانُ بِكَثْرَةِ الْحَظِّ فِي الدُّنْيَا وَقِلَّتِهِ، وَصِفَةُ الْمُؤْمِنِ أَنَّ الْإِكْرَامَ عِنْدَهُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ إِيَّاهُ إِلَى مَا يُؤَدِّيهِ إِلَى حَظِّ الْآخِرَةِ؛ وَلِهَذَا رَدَّ اللَّهُ عَلَى هَذَا الْكَافِرِ، فَقَالَ: كَلَّا أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا تَظُنُّ، قَالَ مُقَاتِلٌ : يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: كَلَّا لَمْ أَبْتَلِهِ بِالْغِنَى لِكَرَامَتِهِ عَلَيَّ، وَلَمْ أَبْتَلِهِ بِالْفَقْرِ لِهَوَانِهِ. فَقَوْلُهُ: "كَلَّا" رَدٌّ لِتَوَهُّمِ مَنْ ظَنَّ أَنَّ سِعَةَ الرِّزْقِ إِكْرَامٌ مِنَ اللَّهِ، وَأَنَّ الْفَقْرَ إِهَانَةٌ، فَإِنَّ اللَّهَ يُوَسِّعُ عَلَى الْكَافِرِ لَا لِكَرَامَتِهِ، وَيُقَتِّرُ عَلَى الْمُؤْمِنِ لَا لِهَوَانِهِ ، وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَاذَانَ ، أَنَا جِيغَوَيْهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، نَا صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبَانَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ قَيْسٍ الْعَامِرِيِّ ، عَنْ كَعْبٍ ، قَالَ: إِنِّي لَأَجِدُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ: لَوْلَا أَنْ يَحْزَنَ عَبْدِي الْمُؤْمِنُ لَكَلَّلْتُ رَأْسَ الْكَافِرِ بِالْأَكَالِيلِ، فَلَا يُصْدَعُ، وَلَا يَنْبِضُ مِنْهُ عِرْقٌ يُوجَعُ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَبْدَانَ ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَائِعُ ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الشَّيْبَانِيُّ ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ، أَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ ، نَا أَبَانُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ أَحَبَّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الدِّينَ إِلَّا مَنْ أَحَبَّ فَمَنْ أَعْطَاهُ الدِّينَ فَقَدْ أَحَبَّهُ" . ثُمَّ أَخْبَرَ عَنِ الْكُفَّارِ، فَقَالَ: بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ قَالَ مُقَاتِلٌ : كَانَ قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ يَتِيمًا فِي حِجْرِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ ، فَكَانَ يَدْفَعُهُ عَنْ حَقِّهِ، وَالْآيَةُ تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ لَا يَبَرُّونَهُ، وَلَا يُحْسِنُونَ إِلَيْهِ، وَالْآخَرُ: أَنَّهُمْ لَا يُعْطُونَهُ حَقَّهُ مِنَ الْمِيرَاثِ، عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَاتُهُمْ مِنْ حِرْمَانِ الْيَتِيمِ مَا كَانَ لَهُ مِنَ الْمِيرَاثِ ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ: وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ وَيَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ قَوْلُهُ: وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ أَيْ: لَا يَأْمُرُونَ بِإِطْعَامِهِ، وَمَنْ قَرَأَ "لَا تَحَاضُّونَ" أَرَادَ لَا يَتَحَاضُّونَ فَحَذَفَ الْيَاءَ، وَالْمَعْنَى: لَا يَحُضُّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَصْلُهُ الْوُرَاثُ، فَأُبْدِلَتْ مِنَ الْوَاوِ الْمَضْمُومَةِ تَاءٌ، أَكْلًا لَمًّا شَدِيدًا، أَيْ: تُلِمُّونَ جَمِيعَهُ فِي الْأَكْلِ، قَالَ الْحَسَنُ : يَأْكُلُ نَصِيبَهُ وَنَصِيبَ الْيَتِيمِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُوَرِّثُونَ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ، وَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَهُمْ. وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا كَثِيرًا، شَدِيدًا، وَالْمَعْنَى: يُحِبُّونَ جَمْعَ الْمَالِ، وَيُولَعُونَ بِهِ، فَلَا يُنْفِقُونَهُ فِي خَيْرٍ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية