الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قَوْلُهُ جَلَّ جَلَالُهُ : يَهْدِي بِهِ اللَّهُ أَيْ : بِالْكِتَابِ الْمُبِينِ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ اتَّبَعَ مَا رَضِيَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِمَّا مَدَحَهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ ، سُبُلَ السَّلَامِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يُرِيدُ : دِينُ الْإِسْلَامِ دِينُ اللَّهِ ، وَالسَّلَامُ : اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى . وَقَالَ الزَّجَّاجُ : جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ طَرِيقَ السَّلَامِ ، أَيْ : طُرُقَ السَّلَامَةِ الَّتِي مَنْ سَلَكَهَا سَلَّمَ فِي دِينِهِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ : سُبُلَ دَارِ السَّلَامِ ، كَمَا قَالَ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ ، وَيُرَادُ بِهَا طُرُقُ الْجَنَّةِ ، وَلَكِنَّهُ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ . وَقَوْلُهُ : وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مِنْ ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ إِلَى نُورِ الْإِيمَانِ ، بِإِذْنِهِ أَيْ : بِتَوْفِيقِهِ وَإِرَادَتِهِ ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . قَالَ الْحَسَنُ : هُوَ الَّذِي يَأْخُذُ بِصَاحِبِهِ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ إِلَى الْجَنَّةِ . يَعْنِي : الْإِسْلَامَ ، ثُمَّ أَخْبَرَ بِكُفْرِ النَّصَارَى فَقَالَ : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّخَذُوهُ رَبًّا وَمَعْبُودًا وَجَعَلُوهُ إِلَهًا ، قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا فَمِنْ يَقْدِرُ أَنْ يَدْفَعَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَهَذَا احْتِجَاجٌ عَلَى النَّصَارَى وَهُوَ : لَوْ كَانَ الْمَسِيحُ إِلَهًا لَقَدَرَ عَلَى دَفْعِ أَمْرِ اللَّهِ إِذَا أَتَى بِإِهْلَاكِهِ وَإِهْلَاكِ غَيْرِهِ . قَوْلُهُ جَلَّ جَلَالُهُ : وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : يَعْنُونَ أَنَّهُ مِنْ حَدَبِهِ وَعَطْفِهِ عَلَيْنَا كَالْأَبِ الْمُشْفِقِ ، وَقِيلَ : إِنَّ هَذَا مِنْ بَابِ حَذْفِ الْمُضَافِ ، مَعْنَاهُ : نَحْنُ أَبْنَاءُ رُسُلِ اللَّهِ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّمَا قَالُوا هَذَا حِينَ حَذَّرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُقُوبَةَ اللَّهِ . وَقَوْلُهُ : قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ أَيْ : لِمَ عَذَّبَ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِذُنُوبِهِمْ ، وَهُمُ الَّذِينَ مَسَخَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ مِنْ أَصْحَابِ السَّبْتِ وَأَصْحَابِ الْمَائِدَةِ . وَهَذَا احْتِجَاجٌ عَلَيْهِمْ وَتَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِمْ : نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ؛ لِأَنَّ الْوَالِدَ لَا يُعَذِّبُ وَلَدَهُ وَالْحَبِيبَ لَا تَطِيبُ نَفْسُهُ بِتَعْذِيبِ حَبِيبِهِ . ثُمَّ صَرَّحَ بِتَكْذِيبِهِمْ فَقَالَ : بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ كَسَائِرِ بَنِي آدَمَ مَجْزِيُّونَ بِالْإِحْسَانِ وَالْإِسَاءَةِ ، يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ قَالَ عَطَاءٌ : لِمَنْ يُوَحِّدُ ، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ مَنْ لَا يُوَحِّدُ . وَقَالَ السُّدِّيُّ : يَهْدِي مِنْكُمْ مَنْ يَشَاءُ فَيَغْفِرُ لَهُ ، وَيُمِيتُ مِنْكُمْ مَنْ يَشَاءُ عَلَى كُفْرِهِ فَيُعَذِّبُهُ . وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا أَيْ : أَنَّهُ يَمْلِكُ ذَلِكَ لَا شَرِيكَ لَهُ فَيُعَارِضُهُ ، وَهُوَ يَمْلِكُ الْمَغْفِرَةَ لِمَنْ يَشَاءُ وَالتَّعْذِيبَ لِمَنْ يَشَاءُ ، وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ وَإِلَيْهِ يَؤُولُ أَمْرُ الْعِبَادِ فِي الْآخِرَةِ . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : عَلَى انْقِطَاعٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ . يُقَالُ : فَتَرَ الشَّيْءُ يَفْتُرُ فُتُورًا ، إِذَا سَكَنَتْ حِدَّتُهُ وَانْقَطَعَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ . وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُعِثَ بَعْدَ انْقِطَاعِ الرُّسُلِ ؛ لِأَنَّ الرُّسُلَ كَانَتْ مُتَوَاتِرَةً بَعْضُهَا فِي إِثْرِ بَعْضٍ إِلَى وَقْتِ رَفْعِ اللَّهِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ . وَقَوْلُهُ : أَنْ تَقُولُوا أَيْ : لِئَلَّا تَقُولُوا : مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية