الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً الْآيَةَ: قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِنَّ الْيَهُودَ ظَاهَرُوا الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَسَدًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونُوا أَقْرَبَ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِمُوسَى وَالتَّوْرَاةِ، وَالْكَفَّارُ كَانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِمَا، وَلَكِنَّهُمْ حَسَدُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ. قَوْلُهُ: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٌ، وَالسُّدِّيُّ: يَعْنِي: النَّجَاشِيَّ وَوَفْدَهُ الَّذِينَ قَدِمُوا مِنَ الْحَبَشَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَآمَنُوا بِهِ، وَلَمْ يُرِدْ جَمِيعَ النَّصَارَى، مَعَ ظُهُورِ عَدَاوَتِهِمْ لِلدِّينِ. وَقَوْلُهُ: ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا ، قَالَ الزَّجَّاجُ: الْقَسُّ وَالْقِسِّيسُ: مِنْ رُؤَسَاءِ النَّصَارَى، وَيُجْمَعُ الْقِسِّيسُ: قِسِّيسِينَ. وَقَالَ قُطْرُبٌ: الْقِسِّيسُ: الْعَالِمُ بِلُغَةِ الرُّومِ. وَالرُّهْبَانُ جَمْعُ رَاهِبٍ، مِثْلَ فَارِسٍ وَفُرْسَانٌ، وَالرَّهْبَانِيَّةُ مَصْدَرُ الرَّاهِبِ، وَالتَّرَهُّبُ: التَّعَبُّدُ فِي صَوْمَعَةٍ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: مَدَحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالتَّمَسُّكِ بِدِينِ عِيسَى، وَأَنَّهُمُ اسْتَعْمَلُوا فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ. فَتَأْوِيلُ قَوْلَهِ: ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ عُلَمَاءَ بِوَصَاةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ أَيْ: عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ وَالْإِذْعَانِ إِلَيْهِ كَمَا اسْتَكْبَرَ الْيَهُودُ وَعَبَدَةُ الْأَوْثَانِ. قَوْلُهُ: وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ الْآيَةَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ: يُرِيدُ: النَّجَاشِيَّ وَأَصْحَابَهُ، قَرَأَ عَلَيْهِمْ جَعْفَرُ الطَّيَّارُ بِالْحَبَشَةِ: كَهَيَعَصَ، فَمَا زَالُوا يَبْكُونَ حَتَّى فَرَغَ مِنِ الْقِرَاءَةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يُرِيدُ: الَّذِي نَزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الْحَقُّ. أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ التَّاجِرُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالُوا: لَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ وَقُتِلَ فِيهَا صَنَادِيدُ الْكُفَّارِ، قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: إِنَّ ثَأْرَكُمْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَبَعَثُوا عَمْرَو بْنِ الْعَاصِ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَأَهْدُوا لِلنَّجَاشِيِّ، وَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَعْثِ قُرَيْشٍ عَمْرَو بْنِ الْعَاصِ، وَابْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، فَبَعَثَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ وَكَتَبَ مَعَهُ إِلَى النَّجَاشِيِّ، فَقَرَأَ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ دَعَا جَعْفَرًا أَنْ يَقْرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ سُورَةَ مَرْيَمَ فَآمَنُوا بِالْقُرْآنِ وَفَاضَتْ أَعْيُنُهُمْ مِنِ الدَّمْعِ، وَهُمُ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى إِلَى قَوْلِهِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِالْحَقِّ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مَعَ مَنْ شَهِدَ مِنْ أَنْبِيَائِكَ وَمُؤْمِنِي عِبَادِكَ بِأَنَّكَ لَا إِلَهَ غَيْرُكَ. وَقَوْلُهُ: وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْآيَةَ: قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْوَفْدَ لَمَّا رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ لَامُوهُمْ عَلَى تَرْكِ دِينِهِمْ فَأَجَابُوهُمْ بِهَذَا. وَقَوْلُهُ: وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ يَعْنِي: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ . قَوْلُهُ: فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا الْآيَةَ: إِنَّمَا عَلَّقَ الثَّوَابَ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ لِأَنَّهُ سَبَقَ مِنْ وَصْفِهِمْ مَا يَدُلُّ عَلَى إِخْلَاصِهِمْ فِيمَا قَالُوا، وَهُوَ الْمَعْرِفَةُ فِي قَوْلِهِ: مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ، وَالْبُكَاءُ الْمُؤْذِنُ بِحَقِيقَةِ الْإِخْلَاصِ، وَاسْتِكَانَةِ الْقَلْبِ وَمَعْرِفَتِهِ إِذَا اقْتَرَنَ بِهِ الْقَوْلُ فَهُوَ الْإِيمَانُ الْحَقِيقِيُّ الْمَوْعُودُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: بِمَا قَالُوا يَعْنِي: بِمَا سَأَلُوا مِنْ قَوْلِهِمْ: فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ، وَقَوْلِهِمْ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَسْأَلَتِهِمُ الْجَنَّةَ. وَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ الْقَوْلُ مَعْنَاهُ: الْمَسْأَلَةُ. وَقَوْلُهُ: جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ يَعْنِي: الْمُوَحِّدِينِ الْمُؤْمِنِينَ. وَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ الْوَعْدَ لِمُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ، ذَكَرَ الْوَعِيدَ لِمَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ وَكَذَّبَ، فَقَالَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية