الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ قَوْلُهُ: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا عَظَّمُوا اللَّهَ حَقَّ تَعْظِيمِهِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: مَا وَصَفُوهُ حَقَّ صِفَتِهِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَا عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ. إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ الْوَالِبِيِّ: قَالَتِ الْيَهُودُ: يَا مُحَمَّدُ، أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ كِتَابًا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ كِتَابًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى يَعْنِي: التَّوْرَاةَ نُورًا: ضِيَاءً، وَهُدًى: هَادِيًا لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ: قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: تَكْتُبُونَهُ فِي قَرَاطِيسَ مُقَطَّعَةٍ حَتَّى لَا تَكُونَ مَجْمُوعَةً لِتُخْفُوا مِنْهَا مَا شِئْتُمْ، وَهُوَ قَوْلُهُ: تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا قَالَ الْفَرَّاءُ: تُبْدُونَ مَا تُحِبُّونَ وَتَكْتُمُونَ صِفَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو يَجْعَلُونَهُ وَمَا بَعْدَهُ بِالْيَاءِ عَلَى الْغَيْبَةِ، لِقَوْلِهِ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ . وَقَوْلُهُ: وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ هَذَا خِطَابٌ لِلْيَهُودِ. يَقُولُ: عُلِّمْتُمْ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا. قَالَ الْحَسَنُ: جَعَلَ لَهُمْ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَضَيَّعُوهُ وَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَذَا خِطَابٌ لِلْمُسْلِمِينَ يُذَكِّرُهُمُ النِّعْمَةَ مِمَّا عَلَّمَهُمْ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَوْلُهُ: قُلِ اللَّهُ: جَوَابٌ لِقَوْلِهِ: مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ ؟ قُلِ اللَّهُ أَيِ: اللَّهُ أَنْزَلَهُ، ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ فِي بَاطِلِهِمْ وَمَا يَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ الْكَذِبِ يَلْعَبُونَ: يَعْمَلُونَ مَا لَا يُجْدِي عَلَيْهِمْ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِمَنْ كَانَ عَمِلَ عَمَلًا لَا يَنْتَفِعُ بِهِ: إِنَّمَا أَنْتَ لَاعِبٌ. وَحَقِيقَةُ هَذَا الْكَلَامِ التَّهْدِيدُ. ثُمَّ ذَكَرَ الْقُرْآنَ فَقَالَ: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مَعْنَى الْمُبَارَكِ: الْكَثِيرُ الْخَيْرِ، وَمَعْنَى الْبَرَكَةِ: ثُبُوتُ الْخَيْرِ عَلَى الِازْدِيَادِ وَالنَّمَاءِ، وَأَصْلُهَا فِي اللُّغَةِ: الثُّبُوتُ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: الْمُبَارَكُ: فِيهِ مَغْفِرَةٌ لِذُنُوبِهِمْ، وَتَوْبَةٌ مِنْ أَعْمَالِهِمْ. وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: مَعْنَى قَوْلِهِ لِلْقُرْآنِ: مُبَارَكٌ أَنَّهُ كَثِيرٌ خَيْرُهُ، دَائِمٌ مَنْفَعَتُهُ، يُبَشِّرُ بِالثَّوَابِ وَالْ?َغْفِرَةِ، وَيَزْجُرُ عَنِ الْقَبِيحِ وَالْمَعْصِيَةِ، إِلَى مَا لَا يُعَدُّ مِنْ بَرَكَاتِهِ. وَقَوْلُهُ: مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ مُوَافِقٌ لِمَا تَقَدَّمَهُ مِنَ الْكُتُبِ. وَقَوْلُهُ: وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى قَالَ الزَّجَّاجُ: الْمَعْنَى: أَنْزَلْنَاهُ لِلْبَرَكَةِ وَالْإِنْذَارِ. وَأُمُّ الْقُرَى: مَكَّةُ، سُمِّيَتْ أُمَّ الْقُرَى; لِأَنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا دُحِيَتْ مِنْ تَحْتِهَا، فَهِيَ أَصْلُ الْأَرْضِ كُلِّهَا. وَالْمَعْنَى: وَلِتُنْذِرَ أَهْلَ أُمِّ الْقُرَى، فَحَذَفَ الْمُضَافَ. وَمَنْ حَوْلَهَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ: جَمِيعَ الْآفَاقِ. وَمَنْ قَرَأَ وَلِيُنْذِرَ بِالْيَاءِ، جَعَلَ الْفِعْلَ لِلْكِتَابِ. وَقَوْلُهُ: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ أَيْ: مَنْ آمَنَ بِالْآخِرَةِ حَقِيقَةً آمَنَ بِالْقُرْآنِ، فَأَمَّا مَنْ آمَنَ بِالْآخِرَةِ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِالْآخِرَةِ إِيمَانًا حَقِيقِيًّا، فَلَمْ يُعْتَدَّ بِإِيمَانِهِ مَعَ كُفْرِهِ بِالْقُرْآنِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ: وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْمُؤْمِنِينِ الَّذِينَ يُحَافِظُونَ عَلَى الصَّلَوَاتِ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية