الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ قَوْلُهُ: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ الْمُرَادُ بِالْجِنِّ هَاهُنَا: الشَّيَاطِينُ، قَالَ الْحَسَنُ: أَطَاعُوا الشَّيَاطِينَ فِي عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ فَيَجْعَلُوهُمْ شُرَكَاءَ لِلَّهِ. وَتَقْدِيرُ الْآيَةِ: وَجَعَلُوا الْجِنَّ شُرَكَاءَ لِلَّهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْجِنُّ بَدَلًا مِنَ الشُّرَكَاءِ مُفَسِّرًا لَهَا. وَقَوْلُهُ: وَخَلَقَهُمْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْكِنَايَةُ عَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ، وَالْمَعْنَى: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَهُمْ ثُمَّ جَعَلُوا لَهُ شُرَكَاءَ لَا يَخْلُقُونَ، وَيَجُوزُ أَنْ تَعُودَ الْكِنَايَةُ عَلَى الْجِنِّ فَيَكُونُ الْمَعْنَى: وَاللَّهُ خَلَقَ الْجِنَّ فَكَيْفَ يَكُونُ شُرَكَاءَ لِلَّهِ؟ وَقَوْلُهُ:وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ قَالَ الْفَرَّاءُ: مَعْنَى خَرَقُوا: افْتَعَلُوا ذَلِكَ كَذِبًا وَكُفْرًا، وَخَرَقُوا وَاخْتَرَقُوا، وَخَلَقُوا وَاخْتَلَقُوا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، يُقَالُ: خَلَقَ فُلَانٌ الْكَلِمَةَ وَاخْتَلَقَهَا، وَخَرَقَهَا وَاخْتَرَقَهَا، إِذَا افْتَعَلَهَا وَابْتَدَعَهَا كَذِبًا. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَخَرَّقُوا مُشَدَّدَةً، وَالتَّشْدِيدُ لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّكْثِيرِ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِنَّ كُفَّارَ الْعَرَبِ قَالُوا: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، وَزَعَمَتِ النَّصَارَى بِأَنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ، وَالْيَهُودُ أَنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ، فَأَعْلَمَ اللَّهُ أَنَّهُمُ اخْتَلَقُوا ذَلِكَ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَيْ: لَمْ يَذْكُرُوهُ، وَإِنَّمَا تَكْذِبَا. قَوْلُهُ: بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ مِنْ أَيْنَ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ، وَلَا يَكُونُ الْوَلَدُ إِلَّا مِنْ صَاحِبَةٍ؟ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ أَيْ: أَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَخَالِقُ الْأَشْيَاءِ لَا مِثْلَ لَهُ، وَالْوَلَدُ لَا يَصِحُّ إِلَّا مَعَ الْمُمَاثَلَةِ، وَمَنْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ. وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ لِأَنَّهُ هُوَ الْخَالِقُ لَهُ. وَقَوْلُهُ: ذَلِكُمُ اللَّهُ أَيْ: ذَلِكَ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَعَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَطِيعُوهُ. وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ بِالْحِفْظِ لَهُ وَالتَّدْبِيرِ فِيهِ. قَوْلُهُ: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ الْإِدْرَاكُ: الْإِحَاطَةُ بِكُنْهِ الشَّيْءِ وَحَقِيقَتِهِ، وَهُوَ غَيْرُ الرُّؤْيَةِ; لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: رَآهُ وَمَا أَدْرَكَهُ. فَالْأَبْصَارُ تَرَى الْبَارِي عَزَّ وَجَلَّ وَلَا تُحِيطُ بِهِ، كَمَا أَنَّ الْقُلُوبَ تَعْرِفُهُ وَلَا تُحِيطُ بِهِ، قَالَ تَعَالَى: وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ: كَلَّتْ أَبْصَارُ الْمَخْلُوقِينَ عَنِ الْإِحَاطَةِ بِهِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: لَا تُحِيطُ بِهِ الْأَبْصَارُ. وَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ نَقُولُ: إِنَّ الْبَارِي سُبْحَانَهُ يُرَى وَلَا يُدْرَكُ; لِأَنَّ مَعْنَى الْإِدْرَاكِ: الْإِحَاطَةُ بِالْمَرْئِيِّ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ كَانَ مَحْدُودًا وَلَهُ جِهَاتٌ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ إِلَى تَخْصِيصِ هَذِهِ الْآيَةَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ: تَنْقَطِعُ عَنْهُ الْأَبْصَارُ فِي الدُّنْيَا. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: لَا تَرَاهُ الْأَبْصَارُ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ يُرَى فِي الْآخِرَةِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَخْصُوصَةٌ بِالدُّنْيَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ، فَقَيَّدَ النَّظَرَ إِلَيْهِ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأَطْلَقَ فِي هَذِهِ، وَالْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظِ، حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ الْجُنَيْدِ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الصَّفَارُ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلُهُ: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ قَالَ: فِي الدُّنْيَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: يَرَاهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ. وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ، قَالَ: يَنْظُرُونَ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَوْلُهُ: وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ أَيْ: يَرَاهَا وَهِيَ لَا تَرَاهُ مَعَ رُؤْيَتِهِ إِيَّاهَا، وَهَذَا لِلَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ يَرَى وَلَا يُرَى. وَإِنَّمَا خَصَّ الْأَبْصَارَ بِإِدْرَاكِهِ إِيَّاهَا مَعَ أَنَّهُ يُدْرِكُ كُلَّ شَيْءٍ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا; لِأَنَّ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَجُوزُ أَنْ يَرَى الْبَصَرَ وَلَا يَرَاهُ الْبَصَرُ. وَقَوْلُهُ: وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: مَعْنَاهُ الرَّفِيقُ بِعِبَادِهِ. وَرَوَى عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: اللَّطِيفُ: الَّذِي يُوصِلُ إِلَيْكَ إِرْبَكَ فِي رِفْقٍ، يُقَالُ: لَطَفَ اللَّهُ لَكَ، أَيْ: أَوْصَلَ إِلَيْكَ مَا تُحِبُّ بِرِفْقٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ اللَّطِيفُ: بِأَوْلِيَائِهِ، الْخَبِيرُ بِهِمْ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية