الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ قَوْلُهُ: قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قَالَ الزَّجَّاجُ: أَمَّا نَصْبُ دِينًا فَمَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى; لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ: هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دَلَّ عَلَى عَرَّفَنِي، فَكَأَنَّهُ قَالَ: عَرَّفَنِي. قَوْلُهُ: قِيَمًا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُسْتَقِيمًا، وَمَنْ قَرَأَ: قِيَمًا فَهُوَ مَصْدَرٌ كَالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ وَالشِّبَعِ، وَذَكَرْنَا مَعْنَى قِيَمًا فِي أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ، وَقَوْلُهُ: مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا مِلَّةَ بَدَلٌ مِنْ دِينًا قِيَمًا، وَحَنِيفًا مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، وَالْمَعْنَى: عَرَّفَنِي مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ فِي حَالِ حَنِيفِيَّتِهِ. قَوْلُهُ: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ: ذَبِيحَتِي. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: حِجَجِي. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: كُلُّ مَا تَقَرَّبْتَ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، إِلَّا أَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ أَمْرُ الذَّبْحِ. وَقَوْلُهُ: وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي أَيْ: حَيَاتِي وَمَوْتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَيْ: هُوَ يُحْيِينِي وَيُمِيتُنِي. وَقَرَأَ نَافِعٌ: وَمَحْيَايْ سَاكِنَةَ الْيَاءِ، وَهُوَ شَاذٌّ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ لِأَنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ السَّاكِنِينَ لَا يَلْتَقِيَانِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، قَالَ الزَّجَّاجُ: أَمَّا يَاءُ مَحْيَايَ فَلَا بُدَّ مِنْ فَتْحِهَا لِأَنَّ قَبْلَهَا سَاكِنًا، وَمِثْلُ هَذَا مَا جَوَّزَهُ يُونُسُ مِنْ قَوْلِهِ: اضْرِبْنَانِ زَيْدًا، وَاضْرِبْنَانْ زَيْدًا، وَسِيبَوَيْهِ يُنْكِرُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ يُونُسَ. وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّهُ يُخْبِرُ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يُتَوَجَّهُ بِالصَّلَاةِ وَسَائِرِ الْمَنَاسِكِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، لَا إِلَى غَيْرِهِ كَمَا كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَذْبَحُونَ لِأَصْنَامِهِمْ، فَأَعْلَمَ أَنَّهُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ . وَقَوْلُهُ: وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِذَلِكَ أُوحِيَ إِلَيَّ. وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ قَالَ قَتَادَةُ: أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: أَوَّلُ الْمُخْلِصِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَبِيبٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ، أَخْبَرَنَا جَدِّي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْكُوفِيُّ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " يَا فَاطِمَةُ قُومِي إِلَى أُضْحِيَّتِكِ فَاشْهَدِيهَا، فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَكِ عِنْدَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا كُلُ ذَنْبٍ عَمِلْتِيهِ، وَقُولِي: إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ عِمْرَانُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا لَكَ وَلِأَهْلِ بَيْتِكَ خَاصَّةً، فَأَهْلٌ ذَلِكَ أَنْتُمْ أَمْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً؟ قَالَ: بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً". قَوْلُهُ: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَيِّدًا وَإِلَهًا وَهُوَ سَيِّدُ كُلِّ أَحَدٍ، وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا لَا تَجْنِي نَفْسٌ ذَنْبًا إِلَّا أُخِذَتْ بِهِ وَكَانَ إِثْمُهُ عَلَى الْجَانِي نَفْسِهِ، وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ كَانَ يَقُولُ: اتَّبِعُوا سَبِيلِي أَحْمِلْ أَوْزَارَكُمْ. فَقِيلَ: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَلَا تُؤْخَذُ نَفْسٌ آثِمَةٌ بِإِثْمِ أُخْرَى، أَيْ: لَا يُؤْخَذُ أَحَدٌ بِذَنْبِ غَيْرِهِ، ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ . وَقَوْلُهُ: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ يَا أَمَةَ مُحَمَّدٍ، خَلَائِفَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ فِي الْأَرْضِ بِأَنْ أَهْلَكَهُمْ وَأَوْرَثَكُمُ الْأَرْضَ بَعْدَهُمْ، وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ، فِي الْمَعَاشِ وَالْغِنَى وَالرِّزْقِ. قَالَهُ الْكَلْبِيُّ، وَمُقَاتِلٌ، وَالسُّدِّيُّ، لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ لِيَخْتَبِرَكُمْ فِيمَا رَزَقَكُمْ، وَالْمَعْنَى: لِيَظْهَرَ مِنْكُمْ مَا يَكُونُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ. إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ لِأَعْدَائِهِ، يَعِدُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَلَاكِ أَعْدَائِهِ وَقَتْلِهِمْ، وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ: لِأَوْلِيَائِهِ، رَحِيمٌ: بِهِمْ. أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَوْ تَعْلَمُونَ قَدْرَ سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَاتَّكَلْتُمْ عَلَيْهَا وَمَا عَمِلْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا، وَلَوْ تَعْلَمُونَ قَدْرَ غَضَبِ اللَّهِ تَعَالَى لَظَنَنْتُمْ أَنْ لَا تَنْجُوَا وَأَنْ لَا يَنْفَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ".

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية