الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ الْعَطَّارُ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الضَّبِّيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، نَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، نَا شُعْبَةُ، نَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُسْلِمًا الْبَطِينَ يُحَدِّثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَعَلَى فَرْجِهَا خِرْقَةٌ، وَهِيَ تَقُولُ: الْيَوْمُ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ بُنْدَارٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَلْبَسُوا ثِيَابَهُمْ وَلَا يَتَعَرَّوْا وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: الزِّينَةُ مَا وَارَى الْعَوْرَةَ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ كَطَوَافٍ أَوْ صَلَاةٍ. وَقَالَ طَاوُسٌ: لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْحَرِيرِ وَلَا الدِّيبَاجِ، وَلَكِنْ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَطُوفُ أَحَدُهُمْ بِالْبَيْتِ عُرْيَانَ، فَفِي ذَلِكَ يَقُولُ: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ . وَهَذَا قَوْلُ جَمَاعَةِ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَوْلُهُ: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَأْكُلُونَ مِنَ الطَّعَامِ فِي أَيَّامِ حَجِّهِمْ إِلَّا قُوتًا، وَلَا يَأْكُلُونَ دَسَمًا، يُعَظِّمُونَ بِذَلِكَ حَجَّهُمْ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: نَحْنُ أَحَقُّ أَنْ نَفْعَلَ. فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا بِتَحْرِيمِ مَا أَحْلَلْتُ لَكُمْ مِنَ اللَّحْمِ وَالدَّسَمِ، إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ يَعْنِي: الْكَافِرِينِ الَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ. قَوْلُهُ: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ أَيْ: مَنْ حَرَّمَ أَنْ تَلْبَسُوا فِي طَوَافِكُمْ مَا يَسْتُرُكُمْ؟ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ يَعْنِي: مَا حَرَّمُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَيَّامَ حَجِّهِمْ مِنَ اللَّحْمِ وَالدَّسَمِ، قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ الْفَرَّاءُ: قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مُشْتَرَكَةً، وَهِيَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ خَالِصَةً. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْمُفَسِّرِينَ: شَارَكَ الْمُسْلِمِينِ الْمُشْرِكُونَ فِي الطَّيِّبَاتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَأَكَلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ طَعَامِهَا، وَلَبِسُوا مِنْ خِيَارِ ثِيَابِهَا، وَنَكَحُوا مِنْ صَالِحِ نِسَائِهَا، ثُمَّ يُخَلِّصُ اللَّهُ تَعَالَى الطَّيِّبَاتِ فِي الْآخِرَةِ لِلَّذِينِ آمَنُوا، وَلَيْسَ لِلْمُشْرِكِينَ فِيهَا شَيْءٌ. وَقَرَأَ نَافِعٌ: خَالِصَةٌ رَفْعًا عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ كَمَا تَقُولُ: زَيْدٌ عَاقِلٌ لَبِيبٌ. وَالْمَعْنَى: قُلْ هِيَ ثَابِتَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَوْلُهُ: كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ نُبَيِّنُهَا، لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ: أَنِّي أَنَا اللَّهُ لَا شَرِيكَ لِي. قَوْلُهُ: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ: سِرَّ الزِّنَا وَعَلَانِيَتَهُ. وَالْإِثْمَ: قَالَ الضَّحَّاكُ: الذَّنْبُ الَّذِي لَا حَدَّ فِيهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْإِثْمُ الْمَعْصِيَةُ. وَقَالَ عَطَاءٌ: يُرِيدُ الْخَمْرَ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: الْإِثْمُ لَا يَكُونُ مِنْ أَسْمَاءِ الْخَمْرِ; لِأَنَّ الْعَرَبَ مَا سَمَّتْهَا إِثْمًا قَطُّ، لَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا فِي الْإِسْلَامِ وَلَكِنْ قَدْ تَكُونُ الْخَمْرُ دَاخِلَةً تَحْتَ الْإِثْمِ كَقَوْلِهِ: قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ . وَالْبَغْيُ ظُلْمُ النَّاسِ وَهُوَ أَنْ يَطْلُبَ مَا لَيْسَ لَهُ، وَ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا قَالَ مُقَاتِلٌ: مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ كِتَابًا فِيهِ حُجَّةٌ بِأَنَّ مَعَهُ شَرِيكًا. وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ يَعْنِي: مِنْ تَحْرِيمِ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ. فِي قَوْلِ مُقَاتِلٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هَذَا عَامٌّ فِي تَحْرِيمِ الْقَوْلِ فِي الدِّينِ مِنْ غَيْرِ يَقِينٍ. قَوْلُهُ: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ قَالَ عَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي أَجَلَ الْهَلَاكِ وَالْعَذَابِ، فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لِلْعَذَابِ لَا يَتَأَخَّرُونَ وَلَا يَتَقَدَّمُونَ حَتَّى يُعَذَّبُوا، وَذَلِكَ حِينَ سَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَذَابَ، فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية