الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ قَوْلُهُ: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أَيْ: بِحُجَجِنَا وَأَعْلَامِنَا الَّتِي تَدُلُّ عَلَى نُبُوَّةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَتَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى، وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا: تَرَفَّعُوا عَنِ الْإِيمَانِ بِهَا، وَالِانْقِيَادِ لَهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ أَيْ: لِدُعَائِهِمْ وَلَا لِأَعْمَالِهِمْ، وَلَا لِشَيْءٍ مِمَّا يُرِيدُونَ بِهِ اللَّهَ تَعَالَى، وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا تُفَتَّحُ لِأَرْوَاحِهِمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُفَتَّحُ لِأَرْوَاحِ الْمُسْلِمِينَ. وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ الْوُلُوجُ: الدُّخُولُ، وَالسَّمُّ: ثُقْبُ الْإِبْرَةِ، وَالْخِيَاطُ: مَا يُخَاطُ بِهِ، وَالْمَعْنَى: لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ أَبَدًا، وَذَلِكَ: أَنَّ الشَّيْءَ إِذَا عُلِّقَ كَوْنُهُ بِمَا لَا يَجُوزُ كَوْنُهُ، اسْتَحَالَ كَوْنُهُ، كَمَا يُقَالُ: لَا يَكُونُ هَذَا حَتَّى يَشِيبَ الْغُرَابُ وَيَبْيَضَّ الْقَارُّ. وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ وَمِثْلُ مَا وَصَفْنَا نَجْزِي مَنْ كَذَّبَ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرَ عَنِ الْإِيمَانِ بِهَا. قَوْلُهُ: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ أَيْ: فِرَاشٌ، وَهُوَ كُلُّ مَا يُمَهِّدُ: أَيْ: يُبْسَطُ وَيُفْرَشُ، وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَهِيَ: كُلُّ مَا يَغْشَاكَ، أَيْ: يَسْتُرُكَ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ إِحَاطَةِ النَّارِ بِهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَلَهُمْ مِنْهَا غِطَاءٌ وَوِطَاءٌ، وَفِرَاشٌ وَلِحَافٌ، وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا بِهِ، وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ إِلَهًا. قَوْلُهُ: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وُسْعُ الْإِنْسَانِ: مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ مَعْنَى الْوُسْعِ بَذْلُ الْمَجْهُودِ وَأَقْصَى الطَّاقَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَمْ يُكَلِّفِ الْعِبَادَ مَا يَشُقُّ وَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ وَلَكِنَّهُ كَلَّفَهُمْ مَا يُطِيقُونَ، وَلَا يَعْجِزُونَ عَنْهُ، وَقَدْ قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فِي الْآيَةِ: إِلَّا يُسْرَهَا، لَا عُسْرَهَا، وَلَوْ كَلَّفَهَا طَاقَتَهَا لَبَلَغَتْ مَجْهُودَهَا. وَقَوْلُهُ: لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا فَصَلَ بَيْنَ الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ بِمَا لَيْسَ بِأَجْنَبِيٍّ; لِأَنَّهُ ذَكَرَ عَمَلَهُمُ الصَّالِحَ، ذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ الْعَمَلَ مِمَّا يَسَعُهُمْ وَلَا يَعْسُرُ عَلَيْهِمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ النَّزْعُ: قَلْعُ الشَّيْءِ مِنْ مَكَانِهِ، وَالْغِلُّ: الْحِقْدُ الْكَامِنُ فِي الصُّدُورِ، وَالْمَعْنَى: أَذْهَبْنَا الْأَحْقَادَ الَّتِي كَانَتْ لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الدُّنْيَا، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا، وَعُثْمَانُ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ . أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، نَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ فِي قَوْلِهِ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، وَعَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يُخَلَّصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا، أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِأَحَدِهِمْ أَهْدَى بِمَنْزِلَةٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلَةٍ كَانَ فِي الدُّنْيَا" وَقَوْلُهُ: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا إِذَا اسْتَقَرَّ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي مَنَازِلِهِمْ، قَالُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا أَيْ: لِهَذَا الثَّوَابِ، بِمَا وَفَّقَنَا لَهُ مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي أَدَّى إِلَى هَذَا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الزَّجَّاجِ: هَدَانَا لَمَّا صَيَّرَنَا إِلَى هَذَا. وَقَوْلُهُ: وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُهْتَدِيَ مَنْ هَدَاهُ اللَّهُ، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَهْدِهِ اللَّهُ لَمْ يَهْتَدِ، وَقَوْلُهُ: لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ هَذَا مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حِينَ رَأَوْا مَا وَعَدَهُمُ الرُّسُلُ عِيَانًا، قَالُوا: لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ، وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ قِيلَ لَهُمْ هَذِهِ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ الَّتِي وُعِدْتُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا، أُورِثْتُمُوهَا: أُوتِيتُمْ مِيرَاثًا مِنَ الْكَفَّارِ بِإِيمَانِكُمْ وَكُفْرِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُقَالُ لِأَهْلِ الْكُفْرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَعْدَ مَا يَرَوْنَ مَنَازِلَهُمْ فِي الْجَنَّةِ: هَذِهِ مَنَازِلُكُمْ لَوْ عَمِلْتُمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ. ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، رِثُوهُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، فَيَقْسِمُ بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ. أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ الْمُطَوَّعِيُّ، أَنَا جَدِّي، أَنَا أَبُو عَمْرٍو أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُرَشِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَرَّاقُ، نَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ، نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْزِلٌ مِنَ النَّارِ، فَأَمَّا الْكَافِرُ فَإِنَّهُ يَرِثُ الْمُؤْمِنَ مَنْزِلَهُ مِنَ النَّارِ، وَالْمُؤْمِنُ يَرِثُ الْكَافِرَ مَنْزِلَهُ مِنَ الْجَنَّةِ" فَذَلِكَ قَوْلُهُ: تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تُوَحِّدُونَ اللَّهَ تَعَالَى وَتَقُومُونَ بِفَرَائِضِهِ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية