الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَبِيبٍ الْوَرَّاقُ، نَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الشَّيْبَانِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدُونَ بْنِ خَالِدٍ، نَا سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ، نَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ وَاقِدٍ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ شَبِيبٍ الْهُذَلِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَلَّ الْجَرَادُ فِي سَنَةٍ مِنْ سِنِي عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَاغْتَمَّ بِذَلِكَ، فَأَرْسَلَ رَاكِبًا إِلَى الْيَمَنِ وَرَاكِبًا إِلَى الشَّامِ وَرَاكِبًا إِلَى الْعِرَاقِ يَسْأَلُونَ: هَلْ رَأَى مِنَ الْجَرَادِ شَيْئًا أَمْ لَا؟ فَأَتَاهُ الرَّاكِبُ الَّذِي دَخَلَ الْيَمَنَ بِقَبْضَةٍ مِنْ جَرَادٍ، فَأَلْقَاهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُ كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "خَلَقَ اللَّهُ أَلْفَ أُمَّةٍ، مِنْهَا سِتُ مِائَةٍ فِي الْبَحْرِ، وَأَرْبَعُ مِائَةٍ فِي الْبَرِّ، وَأَوَّلُ كُلِ شَيْءٍ يَهْلِكُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَمِ الْجَرَادُ، فَإِذَا أُهْلِكَتْ تَتَابَعَتْ مِثْلُ النِّظَامِ إِذَا قُطِعَ سِلْكُهُ" قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: فَعَجُّوا مِنْ ذَلِكَ، وَأَعْطَوْا مُوسَى عَهْدَ اللَّهِ لَئِنْ كَشَفَ اللَّهُ ذَلِكَ أَنْ يُؤْمِنُوا، فَدَعَا مُوسَى فَكَشَفَ اللَّهُ الْجَرَادَ، وَكَانَ قَدْ بَقِيَ مِنْ غَلَّاتِهِمْ بَقِيَّةٌ، فَقَالُوا: قَدْ بَقِيَ لَنَا مَا هُوَ كَافِينَا، فَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي دِينِنَا. فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْقُمَّلَ، وَهُوَ الدَّبَى الصِّغَارُ الَّتِي لَا أَجْنِحَةَ لَهَا. وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَالسُّدِّيِّ، وَقَتَادَةَ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: الْقُمَّلُ: السُّوسُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْحِنْطَةِ. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ قَالَ: الْقُمَّلُ دَوَابٌّ سُودٌ صِغَارٌ فَتَتَبَّعَ الْقَمْلُ مَا بَقِيَ مِنْ حُرُوثِهِمْ، فَأَكَلَهُ وَلَحِسَ الْأَرْضَ، فَجَزِعُوا وَخَافُوا الْهَلَاكَ، فَقَالُوا: يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يَكْشِفُ عَنَّا الدَّبَى، فَقَالُوا: مَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ وَلَا مُرْسِلِينَ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ. فَدَعَا عَلَيْهِمْ مُوسَى، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ يَقُومَ عَلَى حَافَّةِ النِّيلِ، وَيُشِيرَ بِعَصَاهُ إِلَى أَدْنَاهُ وَأَقْصَاهُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ مُوسَى، فَتَدَاعَتِ الضَّفَادِعُ بِالنَّقِيقِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ حَتَّى أَعْلَمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، ثُمَّ خَرَجَتْ مِثْلَ اللَّيْلِ الدَّامِسِ، حَتَّى دَخَلَتْ بُيُوتَهُمْ بَغْتَةً، وَامْتَلَأَتْ مِنْهَا أَبْنِيَتُهُمْ وَأَفْنِيَتُهُمْ وَأَطْعِمَتَهُمْ، فَكَانَ لَا يَكْشِفُ أَحَدُهُمْ ثَوْبًا وَلَا إِنَاءً وَلَا طَعَامًا وَلَا شَرَابًا إِلَّا وَجَدَ فِيهِ الضَّفَادِعَ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَجْلِسُ إِلَى ذَقْنِهِ فِي الضَّفَادِعِ، وَيَهُمُّ أَنْ يَتَكَلَّمَ فَيَثِبُ الضُّفْدَعُ فِي فِيهِ، وَيَنَامُ أَحَدُهُمْ فَيَسْتَيْقِظُ وَقَدْ رَكِبَتْهُ الضَّفَادِعُ ذِرَاعًا، بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ وَصَارَتْ عَلَيْهِ رُكَامًا حَتَّى مَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَحَوَّلَ بِشِقِّهِ الْآخَرِ وَكَانَ أَحَدُهُمْ يَفْتَحُ فَاهُ لِأَكْلَتِهِ، فَيَسْبِقُ الضُّفْدَعُ أَكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ، وَكَانُوا لَا يَعْجِنُونَ عَجِينًا إِلَّا تَشَدَّخَتْ فِيهِ، وَلَا يَطْبُخُونَ قِدْرًا إِلَّا امْتَلَأَتْ ضَفَادِعَ، فَضَجِرَ آلُ فِرْعَوْنَ مِنْ ذَلِكَ، وَضَاقَ عَلَيْهِمْ أَمْرُهُمْ، فَبَكَوْا وَشَكَوْا إِلَى مُوسَى، وَقَالُوا: اكْشِفْ عَنَّا هَذَا الْبَلَاءَ، فَإِنَّا نَتُوبُ هَذِهِ الْمَرَّةَ، فَأَخَذَ بِذَلِكَ عُهُودَهُمْ وَمَوَاثِيقَهُمْ، ثُمَّ دَعَا مُوسَى رَبَّهُ فَكَشَفَ عَنْهُمُ الضَّفَادِعَ ثُمَّ نَقَضُوا الْعَهْدَ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمُ الدَّمَ، فَسَالَ النِّيلُ عَلَيْهِمْ دَمًا، وَصَارَتْ مِيَاهُهُمْ كُلُّهَا دَمًا، فَمَا يَسْتَقُونَ مِنَ الْآبَارِ إِلَّا وَجَدُوهُ دَمًا عَبِيطًا، قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ، الْقِبْطِيِّ وَالْإِسْرَائِيلِيِّ، فَكَانَ مَا يَلِي الْإِسْرَائِيلِيَّ مَاءً وَمَا يَلِي الْقِبْطِيَّ دَمًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ يَسْتَقِي الْإِسْرَائِيلِيُّ مِنَ النِّيلِ مَاءً طَيِّبًا وَيَسْتَقِي الْفِرْعَوْنِيُّ دَمًا. فَذَلِكَ قَوْلُهُ: آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: وَكَانَ الْعَذَابُ يَمْكُثُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّبْتِ إِلَى السَّبْتِ، وَبَيْنَ الْعَذَابِ إِلَى الْعَذَابِ شَهْرٌ. وَقَوْلُهُ: فَاسْتَكْبَرُوا أَيْ: عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ، وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ . قَوْلُهُ: وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ أَيْ: نَزَلَ بِهِمُ الْعَذَابُ يَعْنِي الْجَرَادَ وَمَا ذُكِرَ بَعْدَهُ، قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ أَيْ: بِمَا أَمَرَكَ وَأَوْصَاكَ أَنْ تَدْعُوَهُ بِهِ، لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ يَعْنِي إِلَى الْأَجَلِ الَّذِي غَرَّقَهُمُ اللَّهُ فِيهِ، إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ يَنْقُضُونَ الْعَهْدَ، فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ كَافَأْنَاهُمْ عُقُوبَةً بِمَا صَنَعُوا فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فِي الْبَحْرِ، بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ تَارِكِينِ الِاعْتِبَارَ بِهَا وَالتَّفْكِيرَ فِيهَا، وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ يَعْنِي: بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ قَدِ اسْتَذَلُّوهُمْ بِقَتْلِ أَبْنَائِهِمْ، وَاسْتِخْدَامِ نِسَائِهِمْ، فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالْغَرَقِ وَمَكَّنَهُمْ مِنْ مَنَازِلِهِمْ، وَمَسَاكِنِهِمْ، وَأَعْطَاهُمْ أَرْضَهُمْ، وَهُوَ قَوْلُهُ: مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا يُرِيدُ: جِهَاتِ شَرْقِ أَرْضِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَجِهَاتِ غَرْبِهَا: الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا بِإِخْرَاجِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَالنَّبَاتِ وَالْأَشْجَارِ وَالْأَنْهَارِ، وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَوَاعِيدُ رَبِّكَ الَّتِي لَا خُلْفَ فِيهَا وَلَا نَاقِضَ لَهَا. قَالَ الزَّجَّاجُ: يَعْنِي مَا وَعَدَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ إِهْلَاكِ عَدُوِّهِمْ وَاسْتِخْلَافِهِمْ فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ إِلَى قَوْلِهِ: يَحْذَرُونَ . وَقَوْلُهُ: بِمَا صَبَرُوا أَيْ: عَلَى عَذَابِ فِرْعَوْنَ وَصَنِيعِهِ بِهِمْ، وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ قَالَ مُقَاتِلٌ: أَهْلَكْنَا مَا عَمِلَ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ بِأَهْلِ مِصْرَ، وَمَا بَنَوْا مِنَ الْمَنَازِلِ وَالْبُيُوتِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْرِشُونَ: يَسْقُفُونَ مِنَ الْقُصُورِ وَالْبُيُوتِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: يُقَالُ: عَرَشَ يَعْرِشُ وَيَعْرُشُ. إِذَا بَنَى.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية