الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (خُذِ الْعَفْوَ... ) الْآيَةَ: -أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَصْبَهَانِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْحِيرِيُّ، أَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ إِلَّا فِي أَخْلَاقِ النَّاسِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ وَكِيعٍ الْعَفْوُ: مَا أُتِيَ بِغَيْرِ كُلْفَةٍ، ذَكَرْنَا ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ: مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ، قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ: أَمَرَ أَنْ يَأْخُذَ عَفْوَ أَخْلَاقِ النَّاسِ. وَالْمَعْنَى: اقْبَلِ الْمَيْسُورَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ، وَلَا تَسْتَقْصِ عَلَيْهِمْ فَيَتَوَلَّدَ مِنْهُ الْبَغْضَاءُ، وَأَمَرَ بِالْعُرْفِ الْعُرْفُ، وَالْعَارِفَةُ، وَالْمَعْرُوفُ: مَا يَعْرِفُ كُلُّ أَحَدٍ صَوَابَهُ، وَتَسْتَحْسِنُهُ النُّفُوسُ، قَالَ مُقَاتِلٌ، وَعُرْوَةُ، وَالضَّحَّاكُ: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ صُنْ نَفْسَكَ عَنْ مُقَابَلَتِهِمْ، عَلَى سَفَهِهِمْ، قَالَ قَتَادَةُ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَخْلَاقٌ أَمَرَ اللَّهُ بِهَا نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَدَلَّهُ عَلَيْهَا: " وَهَذِهِ الْآيَةُ أَجْمَعُ لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ ". أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو الْمُزَكِّي، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، أَنَا أَبُو الْيَمَانِ، نَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ، فَقَالَ عُيَيْنَةُ لِابْنِ أَخِيهِ: يَا ابْنَ أَخِي هَلْ لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الْأَمِيرِ فَتَسْتَأْذِنَ لِي عَلَيْهِ فَاسْتَأْذَنَ الْحُرُّ لِعُيَيْنَةَ فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: هَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ وَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ وَلَا تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ، فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ وَإِنَّ هَذَا مِنَ الْجَاهِلِينَ قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عَلَيْهِ وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كَيْفَ يَا رَبِّ وَالْغَضَبُ؟ " فَنَزَلَ قَوْلُهُ: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ نَزْغُ الشَّيْطَانِ: وَسَاوِسُهُ وَنَخْسُهُ فِي الْقَلْبِ بِمَا يُسَوِّلُ لِلْإِنْسَانِ مِنَ الْمَعَاصِي. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ: يَعْرِضُ لَكَ مِنَ الشَّيْطَانِ عَارِضٌ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: إِنْ نَالَكَ مِنَ الشَّيْطَانِ أَدْنَى وَسْوَسَةٍ. فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ: اطْلُبِ النَّجَاةَ مِنْ تِلْكَ الْوَسْوَسَةِ بِاللَّهِ، أَيْ: قُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، إِنَّهُ سَمِيعٌ: لِدُعَائِكَ، عَلِيمٌ بِمَا عَرَضَ لَكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اتَّقَوُا الْكُفْرَ وَالشِّرْكَ وَالْفَوَاحِشَ. إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ ، وَقُرِئَ: طَيْفٌ، قَالَ اللَّيْثُ: طَائِفُ الشَّيْطَانِ، وَطَيْفُ الشَّيْطَانِ: مَا يَغْشَى الْإِنْسَانَ مِنْ وَسَاوِسِهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الطَّائِفُ وَالطَّيْفُ سَوَاءٌ وَهُوَ مَا كَانَ كَالْخَيَالِ، وَالشَّيْءُ يُلِمُّ بِكَ. وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: الطَّائِفُ مَا يَطُوفُ حَوْلَ الشَّيْءِ، وَهُوَ هُنَا مَا يَطُوفُ بِهِ مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ، وَالطَّيْفُ اللُّمَّةُ وَالْوَسْوَسَةُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا مَسَّهُمْ عَارِضٌ مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هُوَ الرَّجُلُ يَغْضَبُ الْغَضْبَةَ، فَيَذْكُرُ اللَّهَ فَيَكْظِمُ الْغَيْظَ. وَرَوَى لَيْثٌ عَنْ مُجَاهِدٍ: هُوَ الرَّجُلُ يَهُمُّ بِالذَّنْبِ فَيَذْكُرُ اللَّهَ فَيَدَعُهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ أَيْ: يُبْصِرُونَ مَوَاقِعَ خَطَئِهِمْ بِالتَّذَكُّرِ وَالتَّفَكُّرِ، قَالَ السُّدِّيُّ: إِذَا زَلُّوا زَلَّةً تَابُوا. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إِنَّ الْمُتَّقِيَ إِذَا أَصَابَهُ نَزْغٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرَ وَعَرَفَ أَنَّهَا مَعْصِيَةٌ، فَأَبْصَرَهَا فَنَزَعَ مِنْ مُخَالَفَةِ اللَّهِ. وَقَوْلُهُ: وَإِخْوَانُهُمْ يَعْنِي: إِخْوَانَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الشَّيَاطِينِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: لِكُلِّ كَافِرٍ أَخٌ مِنَ الشَّيَاطِينِ. يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ يُطَوِّلُونَ لَهُمُ الْإِغْوَاءَ حَتَّى يَسْتَمِرُّوا عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ ، وَمَنْ قَرَأَ: بِضَمِّ الْيَاءِ مِنَ الْإِمْدَادِ فَقَدِ اسْتَعْمَلَ مَا هُوَ لِلْخَيْرِ فِي ضِدِّهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِمْدَادَ إِنَّمَا جَاءَ فِيمَا يُحْمَدُ، كَقَوْلِهِ: وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ، نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ. وَقَوْلُهُ: ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ الْإِقْصَارُ: الْكَفُّ عَنِ الشَّيْءِ، يُقَالُ: أَقْصَرَ عَنِ الشَّيْءِ. إِذَا كَفَّ عَنْهُ وَانْتَهَى، قَالَ الضَّحَّاكُ، وَمُقَاتِلٌ: يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ، لَا يُقْصِرُونَ عَنِ الضَّلَالَةِ وَلَا يُبْصِرُونَهَا بِخِلَافِ مَا قَالَ فِي الْمُؤْمِنِينَ: تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا الْإِنْسُ يُقْصِرُونَ عَمَّا يَعْمَلُونَ مِنَ السَّيِّئَاتِ وَلَا الشَّيَاطِينُ يُمْسِكُونَ عَنْهُمْ، وَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ: ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ مِنْ فِعْلِ الْمُشْرِكِينَ وَالشَّيَاطِينِ جَمِيعًا. قَوْلُهُ: وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قَالَ الْفَرَّاءُ: الْعَرَبُ تَقُولُ: اجْتَبَيْتُ الْكَلَامَ وَاخْتَلَقْتُهُ وَارْتَجَلْتُهُ. إِذَا افْتَعَلْتَهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِكَ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ كَانُوا يَسْأَلُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَنُّتًا فَإِذَا تَأَخَّرَتِ اتَّهَمُوهُ وَقَالُوا: لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا أَيْ: هَلَّا أَحْدَثْتَهَا وَأَنْشَأْتَهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: هَلَّا افْتَعَلْتَهَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِكَ؟ وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَوْلَا تَقَوَّلْتَهَا وَجِئْتَ بِهَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِكَ؟ فَأَعْلَمَهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْآيَاتِ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ إِلَيَّ إِنَّمَا أَتَّبِعُ الْوَحْيَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ: هَذَا أَيْ: هَذَا الْقُرْآنُ الَّذِي أَتَيْتُ بِهِ، بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ دَلَائِلُ تَقُودُ إِلَى الْحَقِّ، وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: حُجَجٌ وَبُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية