الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ قَوْلُهُ: لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَالْمَعْنَى: لَوْ كَانَ مَا دُعُوا إِلَيْهِ عَرَضًا قَرِيبًا غَنِيمَةً قَرِيبَةً، وَسَفَرًا قَاصِدًا قَرِيبًا هَيِّنًا، لَاتَّبَعُوكَ طَمَعًا فِي الْمَالِ، وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ الْمَسَافَةُ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي السَّفَرَ إِلَى الشَّامِ. وَالشُّقَّةُ السَّفَرُ الْبَعِيدُ لِأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَى الْإِنْسَانِ، وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ: لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ لَوْ قَدَرْنَا وَكَانَ لَنَا سِعَةٌ فِي الْمَالِ، يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ بِالْكَذِبِ وَالنِّفَاقِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ وَكَانُوا مَيَاسِيرَ، ذَوِي زَادٍ وَسِلَاحٍ وَعُدَّةٍ، قَوْلُهُ تَعَالَى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ، قَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيُّ: اثْنَانِ فَعَلَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِمَا: إِذْنُهُ لِلْمُنَافِقِينَ، وَأَخْذُهُ الْفِدَاءَ مِنَ الْأُسَارَى، فَعَاتَبَهُ اللَّهُ كَمَا تَسْمَعُونَ. قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: انْظُرْ إِلَى هَذَا اللُّطْفِ: بَدَأَهُ بِالْعَفْوِ قَبْلَ أَنْ يُعَيِّرَهُ بِالذَّنْبِ. قَالَ قَتَادَةُ: ثُمَّ أَنْزَلَ بَعْدَهُ نَسْخَ هَذِهِ الْآيَةِ: فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ . وَقَوْلُهُ: لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ أَيْ: فِي التَّخَلُّفِ عَنْكَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ يَوْمَئِذٍ الْمُنَافِقِينَ. قَوْلُهُ: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا الْآيَةَ، أَيْ: حَتَّى تَعْرِفَ مَنْ لَهُ الْعُذْرُ فِي التَّخَلُّفِ، وَمَنْ لَا عُذْرَ لَهُ، فَيَكُونُ إِذْنُكَ لِمَنْ أَذِنْتَ لَهُ عَلَى عُذْرٍ. قَوْلُهُ: لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ الْآيَةَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا تَعْيِيرٌ لِلْمُنَافِقِينَ حِينَ اسْتَأْذَنُوهُ فِي الْقُعُودِ عَنِ الْجِهَادِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَعْلَمَ اللَّهُ نَبِيَّهَ أَنَّ عَلَامَةَ النِّفَاقِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الِاسْتِئْذَانُ، وَإِلَّا فَالِاسْتِئْذَانُ مِنَ الْإِمَامِ فِي الْقُعُودِ عَنِ الْجِهَادِ غَيْرُ مَذْمُومٍ. وَالْمَعْنَى: فِي أَنْ يُجَاهِدُوا، حُذِفَ فِي. إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ أَيْ: فِي الْقُعُودِ عَنِ الْجِهَادِ، الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شَكُّوا فِي دِينِهِمْ. فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ فِي شَكِّهِمْ يَتَمَادَوْنَ، وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ يَعْنِي: هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ لَوْ أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مَعَكَ، لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً مِنَ الزَّادِ وَالْمَاءِ وَالظَّهْرِ؛ لِأَنَّ سَفَرَهُمْ بَعِيدٌ، فَتَرْكُهُمُ الْعُدَّةَ دَلِيلٌ عَلَى إِرَادَتِهِمُ التَّخَلُّفَ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ كَانُوا مَيَاسِيرَ قَادِرِينَ عَلَى أَخْذِ الْعُدَّةِ لَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ، وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ انْطِلَاقَهُمْ وَخُرُوجَهُمْ مَعَكَ، يُقَالُ: بَعَثْتُهُ لِأَمْرِ كَذَا فَانْبَعَثَ. أَيْ: نَفَذَ فِيهِ، وَقَوْلُهُ: فَثَبَّطَهُمْ التَّثْبِيطُ: رَدُّكَ الْإِنْسَانَ عَنِ الشَّيْءِ يَفْعَلُهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَخَذَّلَهُمْ وَكَسَّلَهُمْ عَنِ الْخُرُوجِ. وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ قَالَ مُقَاتِلٌ: وَحْيًا إِلَى قُلُوبِهِمْ، يَعْنِي: أَنَّ اللَّهَ أَلْهَمَهُمْ أَسْبَابَ الْخِذْلَانِ وَأَوْحَى إِلَى قُلُوبِهِمْ أَنِ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ قَالَ ذَلِكَ لِبَعْضٍ. ثُمَّ أَعْلَمَ اللَّهُ لِمَ كَرِهَ خُرُوجَهُمْ فَقَالَ: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ أَيْ: فِيمَا بَيْنَكُمْ، يَعْنِي مَعَكُمْ، مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا الْخَبَالُ: الْفَسَادُ وَالشَّرُّ فِي كُلِّ شَيْءٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ عَجْزًا وَجُبْنًا، أَيْ: أَنَّهُمْ كَانُوا يُجْبِنُونَكُمْ عَنْ لِقَاءِ الْعَدُوِّ بِتَهْوِيلِ الْأَمْرِ عَلَيْكُمْ، وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ أَيْ: لَأَسْرَعُوا فِي الدُّخُولِ بَيْنَكُمْ بِالتَّضْرِيبِ وَالْإِفْسَادِ بِالنَّمِيمَةِ، وَالْإِيضَاعُ: الْإِسْرَاعُ، وَخِلَالَ الشَّيْءِ وَسَطُهُ، وَقَوْلُهُ: يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ أَيْ: يَطْلُبُونَ لَكُمُ الْعَنَتَ، قَالَ الضَّحَّاكُ: يُخَوِّفُونَكُمْ بِالْعَدُوِّ وَيُخْبِرُونَكُمْ أَنَّكُمْ مَهْزُومُونَ، وَأَنَّ عَدُوَّكُمْ سَيَظْهَرُ عَلَيْكُمْ، وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ عُيُونٌ لَهُمْ يَنْقُلُونَ إِلَيْهِمْ مَا يَسْمَعُونَ مِنْكُمْ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ الْمُنَافِقِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ قَبِيحَ مَا فَعَلُوا قَبْلَ هَذَا فَقَالَ: لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ طَلَبُوا لَكَ الْعَنَتَ وَالشَّرَّ مِنْ قَبْلِ تَبُوكَ وَهُوَ أَنَّ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَقَفُوا عَلَى طَرِيقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَفْتِكُوا بِهِ فَسَلَّمَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: طَلَبُوا صَدَّ أَصْحَابِكَ عَنِ الدِّينِ، وَرَدَّهُمْ إِلَى الْكُفْرِ، وَتَخْذِيلَ النَّاسِ عَنْكَ قَبْلَ هَذَا. وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ ، وَاجْتَهَدُوا فِي الْحِيلَةِ عَلَيْكَ، وَالْكَيْدِ بِكَ وَأَدَارُوا الْأُمُورَ لِيَرُدُّوا أَمْرَكَ، حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ حَتَّى أَخْزَاهُمُ اللَّهُ بِإِظْهَارِ الْحَقِّ وَإِعْزَازِ الدِّينِ عَلَى رَغْمٍ مِنْهُمْ وَكُرْهٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية