الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا قَوْلُهُ: وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : إِذَا ظَهَرَ الزِّنَا وَالرِّبَا فِي أَهْلِ قَرْيَةٍ، أَذِنَ اللَّهُ فِي إِهْلَاكِهَا . وَقَالَ مُقَاتِلٌ : أَمَّا الصَّالِحَةُ فَبِالْمَوْتِ، وَأَمَّا الطَّالِحَةُ فَبِالْعَذَابِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ : أَيْ مَا مِنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ إِلَّا وَسَيَهْلِكُ، إِمَّا بِمَوْتٍ أَوْ بِعَذَابٍ يَسْتَأْصِلُهُمْ. كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا قَالَ قَتَادَةُ : قَضَاءٌ مِنَ اللَّهِ كَمَا تَسْمَعُونَ لَيْسَ مِنْهُ بُدٌّ. قَوْلُهُ: وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: سَأَلَ أَهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفَا ذَهَبًا، وَأَنْ يُنَحِّيَ الْجِبَالَ عَنْهُمْ، فَيَزْرَعُوا. فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ، فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ، كَانَ مَا سَأَلَ قَوْمُكَ، وَلَكِنَّهُمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا لَمْ يُمْهَلُوا، وَإِنْ شِئْتَ، اسْتَأْنَيْتَ بِهِمْ. قَالَ: "لَا، بَلْ أَسَتَأْنِي بِهِمْ" . فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: وَمَا مَنَعَنَا إِرْسَالَ الْآيَاتِ الَّتِي سَأَلُوهَا إِلَّا تَكْذِيبُ الْأَوَّلِينَ، وَيَعْنِي أَنَّهُمْ سَأَلُوا الْآيَاتِ الَّتِي اسْتَوْجَبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ الْعَذَابَ لَمَّا كَذَّبُوا بِهَا، وَالْمَعْنَى: أَنَّا لَمْ نُرْسِلْ بِالْآيَاتِ لِئَلَّا يُكَذِّبَ بِهَا هَؤُلَاءِ كَمَا كَذَّبَ مَنْ قَبْلَهُمْ، فَيَسْتَحِقُّوا الْمُعَاجَلَةَ بِالْعُقُوبَةِ، وَسُنَّةُ اللَّهِ فِي الْأُمَمِ، إِذَا سَأَلُوا الْآيَاتِ، فَأَتَتْهُمْ، ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا، أَنْ يُعَذِّبَهُمْ، وَلَا يُمْهِلُهُمْ، وَقَوْلُهُ: وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً قَالَ قَتَادَةُ : بَيِّنَةً. وَالْمُبْصِرَةُ الْبَيِّنَةُ، أَرَادَ آيَةً مُبْصِرَةً، أَيْ مُضِيئَةً. وَهَذَا كَقَوْلِهِ: وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً ، وَقَوْلُهُ فَظَلَمُوا بِهَا أَيْ: ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِتَكْذِيبِهَا، وَقَدْ يَكُونُ الظُّلْمُ الْجَحْدَ كَقَوْلِهِ: بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ أَيْ يَجْحَدُونَ، وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ أَيِ: الْعِبَرُ وَالدَّلَالَاتُ، إِلَّا تَخْوِيفًا لِلْعِبَادِ لِيَتَّعِظُوا وَيَخَافُوا. قَوْلُهُ: وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ أَيْ: فَهُمْ فِي قَبْضَتِهِ وَهُوَ مُحِيطٌ بِهِمْ بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، قَالَ قَتَادَةُ : يَمْنَعُكَ مِنَ النَّاسِ حَتَّى تُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّكَ. وَقَالَ الْحَسَنُ : حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَنْ يَقْتُلُوكَ كَمَا قَالَ: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ . وَقَوْلُهُ: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ يَعْنِي مَا أَرَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَكَانَتْ رُؤْيَا يَقَظَةٍ، لَا رُؤْيَا مَنَامٍ، وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَأَبِي مَالِكٍ ، وَالسُّدِّيِّ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَالْحَسَنِ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَابْنِ زَيْدٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ ، قَالَ: هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ارْتَدَّ بَعْضُهُمْ حِينَ أَعْلَمَهُمْ قِصَّةَ الْإِسْرَاءِ، فَأَنْكَرُوا وَكَذَّبُوا، وَازْدَادَ الْمُؤْمِنُونَ الْمُخْلِصُونَ إِيمَانًا، وَكَانَتْ تِلْكَ الرُّؤْيَا فِتْنَةً لِلنَّاسِ. وَقَوْلُهُ: وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ هَذَا عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَالتَّقْدِيرُ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ، وَهِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، وَكَانَتِ الْفِتْنَةُ فِيهَا مَا قَالَ قَتَادَةُ : خَوَّفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا عِبَادَهُ، فَفُتِنُوا بِذَلِكَ حَتَّى قَالَ أَبُو جَهْلٍ : زَعَمَ صَاحِبُكُمْ أَنَّ فِي النَّارِ شَجَرًا، وَالنَّارُ تَأْكُلُ الشَّجَرَ. وَقَالَ ابْنُ الزِّبَعْرَى : مَا نَعْلَمُ الزَّقُّومَ إِلَّا التَّمْرَ وَالزُّبْدَ. قَالَ الزَّجَّاجُ : وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ طَعَامٍ مَكْرُوهٍ وَضَارٍّ: مَلْعُونٌ. يَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا رَوَى عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ: الشَّجَرَةُ الْمَذْمُومَةُ. وَمَعْنَى فِي الْقُرْآنِ أَيِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الْقُرْآنِ. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الطَّبَرِيُّ ، أَنَا جَدِّي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدُوَيْهِ الْمَرْوَزِيُّ ، نَا مَحْمُودُ بْنُ آدَمَ ، نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلُهُ: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ قَالَ: هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيَهَا رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، وَالشَّجَرَةُ الْمَلْعُونَةُ هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الصَّنْعَانِيِّ ، عَنِ الدَّبَرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ سُفْيَانَ وَقَوْلُهُ: وَنُخَوِّفُهُمْ أَيْ بِالْآيَاتِ وَالدَّلَالَاتِ، فَمَا يَزِيدُهُمُ التَّخْوِيفُ، إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا لِأَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ عَنْ غَيِّهِمْ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية