الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      قَوْلُهُ: وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا وَمَا مَنَعَ النَّاسَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يُرِيدُ أَهْلَ مَكَّةَ . أَنْ يُؤْمِنُوا أَيِ: الْإِيمَانَ وَالتَّصْدِيقَ، إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى الْبَيَانُ وَالرَّشَادُ مِنَ اللَّهِ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ الْقُرْآنُ ، إِلَّا أَنْ قَالُوا أَيْ: إِلَّا قَوْلَهُمْ فِي التَّعَجُّبِ وَالْإِنْكَارِ، أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا وَهُوَ أَنَّهُمْ قَالُوا: اللَّهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا. وَفِي إِنْكَارِهِمْ كَوْنِ الْبَشَرِ رَسُولًا اقْتِضَاءُ أَنْ يُبْعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ قَالَ الْحَسَنُ : قَانِطِينَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ : مُقِيمِينَ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ : مُسْتَوْطِنِينَ فِي الْأَرْضِ. وَمَعْنَى الطُّمَأْنِينَةِ السُّكُونُ، وَالْمُرَادُ هَاهُنَا الْمُقَامُ وَالِاسْتِيطَانُ; لِأَنَّهُ يُقَالُ: سَكَنَ فُلَانٌ بَلَدَ كَذَا إِذَا اسْتَوْطَنَ، وَإِنْ كَانَ مَاشِيًا مُتَقَلِّبًا فِي حَاجَاتِهِ، وَلَيْسَ يُرَادُ السُّكُونُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْحَرَكَةِ، وَقَوْلُهُ: لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا أَعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْأَعْدَلَ وَالْأَبْلَغَ فِي الْأَدَاءِ إِلَيْهِمْ بَشَرٌ مِثْلُهُمْ، وَلَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ بَدَلَ الْآدَمِيِّينَ مَلَائِكَةٌ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مَلَكًا رَسُولًا، وَمَا بَعْدَ هَذَا مُفَسَّرٌ فِي آخِرِ سُورَةِ الرَّعْدِ. قَوْلُهُ: وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَنْ يُرِدِ اللَّهُ هُدَاهُ، فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ قَالَ: وَمَنْ يَخْذُلْهُ، فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ . يَهْدُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ . أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْهَيْثَمِ الْأَنْبَارِيِّ ، نَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّائِغُ ، نَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ ، نَا شَيْبَانُ ، عَنْ قَتَادَةُ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا نَبِيَ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: إِنَّ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى رِجْلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ كِلَاهُمَا، عَنْ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ شَيْبَانَ وَقَوْلُهُ: عُمْيًا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ الْوَالِبِيِّ : لَا يَرَوْنَ شَيْئًا يَسُرُّهُمْ، وَبُكْمًا لَا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ، وَصُمًّا لَا يَسْمَعُونَ شَيْئًا يَسُرُّهُمْ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ : يُرِيدُ عُمْيًا عَنِ النَّظَرِ إِلَى مَا جَعَلَهُ اللَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ، وَبُكْمًا عَنْ مُخَاطَبَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَصُمًّا عَمَّا مَدَحَ اللَّهُ بِهِ أَوْلِيَاءَهُ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ : هَذَا حِينَ يُقَالُ لَهُمُ: اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ فَيَصِيرُونَ عُمْيًا بُكْمًا صُمًّا، لَا يَرَوْنَ وَلَا يَسْمَعُونَ وَلَا يَنْطِقُونَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: كُلَّمَا خَبَتْ يُقَالُ: خَبَتِ النَّارُ، تَخْبُو خَبْوًا إِذَا سَكَنَ لَهِيبُهَا. زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : سَعَّرَ الْعَذَابَ عَلَيْهِمْ بِأَشَدَّ مِمَّا كَانَ. وَمَا بَعْدَ هَذَا مُفَسَّرٌ فِي هَذِهِ السُّورَةِ. ثُمَّ أَجَابَهُمْ عَلَى إِنْكَارِهِمُ الْبَعْثَ بِقَوْلِهِ: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الْآيَةَ، الْمَعْنَى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فِي عُظْمِهَا، قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ، أَيْ: عَلَى أَنْ يَخْلُقَهُمْ ثَانِيًا، وَأَرَادَ بِمِثْلِهِمْ إِيَّاهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ مِثْلَ الشَّيْءِ مُسَاوٍ لَهُ فِي حَالَتِهِ، فَجَازَ أَنْ يُعَبَّرَ بِهِ عَنِ الشَّيْءِ نَفْسِهِ، يُقَالُ: مِثْلُكَ لَا يَفْعَلُ هَذَا، أَيْ: أَنْتَ لَا تَفْعَلُهُ، ذَكَرْنَا هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُهُ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ تَمَّ الْكَلَامُ، ثُمَّ قَالَ: وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يُرِيدُ أَجَلَ الْمَوْتِ وَأَجَلَ الْقِيَامَةِ. فَأَبَى الظَّالِمُونَ الْمُشْرِكُونَ، إِلَّا كُفُورًا جُحُودًا بِذَلِكَ الْأَجَلِ، وَهُوَ الْبَعْثُ وَالْقِيَامَةُ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية