الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ قَوْلُهُ: هَذَانِ خَصْمَانِ الْفِرَقُ الْخَمْسَةُ الْكَافِرَةُ خَصْمٌ، وَالْمُؤْمِنُونَ خَصْمٌ، وَقَدْ ذُكِرُوا جَمِيعًا فِي قَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالْخَصْمُ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمِيعِ، وَلِهَذَا قَالَ: اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ لِأَنَّهُمْ جَمْعَانِ وَلَيْسَا بِرَجُلَيْنِ، وَمِثْلُهُ: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا وَالْمَعْنَى: اخْتَصَمُوا فِي دِينِ رَبِّهِمْ، فَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى لِلْمُسْلِمِينَ: نَحْنُ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْكُمْ؛ لِأَنَّ نَبِيَّنَا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ، وَدِينَنَا قَبْلَ دِينِكُمْ، وَكِتَابَنَا قَبْلَ كِتَابِكُمْ. فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: بَلْ نَحْنُ أَحَقُّ بِاللَّهِ مِنْكُمْ، آمَنَّا بِكِتَابِنَا وَكِتَابِكُمْ، وَنَبِيِّنَا وَنَبِيِّكُمْ، وَكَفَرْتُمْ أَنْتُمْ بِنَبِيِّنَا حَسَدًا. فَكَانَ هَذَا خُصُومَتَهُمْ فِي رَبِّهِمْ، وَهَذَا قَوْلُ جَمَاعَةِ الْمُفَسِّرِينَ، وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ يُقْسِمُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ بَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ يُوسُفَ السَّقَطِيُّ، نَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي، نَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، نَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ، يَقُولُ: أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فِي هَؤُلَاءِ السِّتَّةِ: حَمْزَةَ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعُتْبَةَ وَشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مِنْهَالٍ، عَنْ هُشَيْمٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ كِلَاهُمَا، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ وَهُوَ مَا عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْمُفَسِّرِينَ، ثُمَّ بَيَانُ حَالِ الْفَرِيقَيْنِ، فَقَالَ: فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: أَيْ: سُوِّيَتْ وَجُعِلَتْ لَبُوسًا لَهُمْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حِينَ صَارُوا إِلَى جَهَنَّمَ أُلْبِسُوا مُقَطَّعَاتِ النِّيرَانِ وَقَوْلُهُ: يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ الْحَمِيمَ لَيُصَبُّ عَلَى رُءُوسِهِمْ، فَيَنْفُذُ الْجُمْجُمَةَ، حَتَّى يَخْلُصَ إِلَى جَوْفِ الْكَافِرِ، فَيَسْلِتُ مَا فِي جَوْفِهِ حَتَّى يَحْرِقَ قَدَمَيْهِ، وَهُوَ الصِّهْرُ، ثُمَّ يُعَادُ كَمَا كَانَ" . وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (يُصْهَرُ بِهِ ) أَيْ: بِذَلِكَ الْحَمِيمِ، مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَفُسِّرَ الصِّهْرُ بِالْإِذَابَةِ وَالْإِحْرَاقِ وَالْإِنْضَاجِ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُفَسِّرِينَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ: يُنْضَجُ. وَقَالَ قَتَادَةُ، وَمُجَاهِدٌ: تُذَابُ. وَالْمَعْنَى أَنَّ أَمْعَاءَهُمْ وَشُحُومَهُمْ تُذَابُ وَتُحْرَقُ بِهَذَا الْحَمِيمِ وَتُشْوَى جُلُودُهُمْ فَيَتَسَاقَطُ مِنْ حَرِّهِ. قَوْلُهُ: وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ قَالَ اللَّيْثُ: الْمِقْمَعَةُ شِبْهُ الْجُزُرِ مِنَ الْحَدِيدِ، يُضْرَبُ بِهَا الرَّأْسُ، وَجَمْعُهَا الْمَقَامِعُ. مِنْ قَوْلِهِمْ: قَمَعْتُ رَأْسَهُ إِذَا ضَرَبْتَهُ ضَرْبًا عَنِيفًا. أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، نَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ دَرَّاجٍ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِمْ: " وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ لَوْ وُضِعَ مَقْمَعٌ مِنْ حَدِيدٍ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ اجْتَمَعَ الثَّقَلَانِ مَا أَقَلُّوهُ مِنَ الْأَرْضِ" قَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ النَّارَ تَرْمِيهِمْ بِلَهَبِهَا، حَتَّى إِذَا كَانُوا فِي أَعْلَاهَا، ضُرِبُوا بِمَقَامِعَ، فَهَوُوا فِيهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا، فَإِذَا انْتَهَوْا إِلَى أَسْفَلِهَا، ضَرَبَهُمْ زَفِيرُ لَهَبِهَا فَلَا يَسْتَقِرُّونَ سَاعَةً. فَذَلِكَ قَوْلُهُ: كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ يَعْنِي: كُلَّمَا حَاوَلُوا الْخُرُوجَ مِنَ النَّارِ لِمَا يَلْحَقُهُمْ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ الَّذِي يَأْخُذُ بِأَنْفَاسِهِمْ حَتَّى لَيْسَ لَهُمْ مَخْرَجٌ، رُدُّوا إِلَيْهَا بِالْمَقَامِعِ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِنَّ جَهَنَّمَ لَتَجِيشُ بِهِمْ، فَتُلْقِيهِمْ إِلَى أَعْلَاهَا، فَيُرِيدُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا، فَيَرُدُّهُمُ الْخُزَّانُ فِيهَا، وَيَقُولُونَ لَهُمْ: ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ وَالْحَرِيقُ اسْمٌ مِنَ الِاحْتِرَاقِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: وَهَذَا لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ،

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية