الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      ثُمَّ عَزَّى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ إِيَّاهُ وَخَوَّفَ مُخَالِفِيهِ بِذِكْرِ مَنْ كَذَّبَ نَبِيَّهُ فَأُهْلِكَ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ إِلَى قَوْلِهِ: فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ أَيْ: أَخَّرْتُ عُقُوبَتَهُمْ وَأَمْهَلْتُهُمْ، يُقَالُ: أَمْلَى اللَّهُ لِفُلَانٍ فِي الْعُمْرِ إِذَا أَخَّرَ عَنْهُ أَجَلَهُ، وَقَوْلُهُ: ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ أَيْ بِالْعَذَابِ، فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ التَّقْرِيرُ، تَقُولُ: كَيْفَ أَنْكَرْتُ عَلَيْهِمْ مَا فَعَلُوا مِنَ التَّكْذِيبِ، أَبْدَلْتُهُمْ بِالنِّعْمَةِ نِقْمَةً، وَبِالْحَيَاةِ هَلَاكًا، وَبِالْعِمَارَةِ خَرَابًا، وَالنَّكِيرُ اسْمٌ مِنَ الْإِنْكَارِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ أَخَذْتُهُمْ فَأَنْكَرْتُ أَبْلَغَ إِنْكَارٍ. ثُمَّ ذَكَرَ كَيْفَ عَذَّبَ أَهْلَ الْقُرَى الْمُكَذِّبَةِ، فَقَالَ: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْتُهَا وَقُرِئَ أَهْلَكْنَاهَا كَقَوْلِهِ: وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا، وَالِاخْتِيَارُ التَّاءُ لِقَوْلِهِ: فَأَمْلَيْتُ وَقَوْلُهُ: وَهِيَ ظَالِمَةٌ أَيْ: وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ بِالتَّكْذِيبِ وَالْكُفْرِ، فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: (مِنْ قَرْيَةٍ لِأَنَّ الْمَعْنَى: وَكَمْ مِنْ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ، وَقَصْرٍ مَشِيدٍ تَرَكُوا بَعْدَ إِهْلَاكِهِمْ، وَالْمُعَطَّلَةُ: الْمَتْرُوكَةُ مِنَ الْعَمَلِ وَالِاسْتِقَاءِ، وَمَعْنَى التَّعْطِيلِ: التَّرْكُ مِنَ الْعَمَلِ، وَالْمَشِيدُ: الْمُطَوَّلُ الْمَرْفُوعُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: شَادَ بِنَاءً إِذَا رَفَعَهُ، ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ . ثُمَّ حَثَّ عَلَى الِاعْتِبَارِ بِحَالِ مَنْ مَضَى مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ، فَقَالَ: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَفَلَمْ يَسِرْ قَوْمُكَ فِي أَرْضِ الْيَمَنِ وَالشَّامِ. فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا يَعْلَمُونَ بِهَا مَا يَرَوْنَ مِنَ الْعِبَرِ، وَالْمَعْنَى: فَيَعْقِلُونَ بِقُلُوبِهِمْ مَا نَزَلَ بِمَنْ كَذَّبَ قَبْلَهُمْ، أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا أَخْبَارَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَهَلْ شَيْءٌ أَبْلَغُ فِي الْعِظَةِ وَالْعِبَرِ مِنَ الْآيَةِ؟ لِأَنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا إِلَى آثَارِ قَوْمٍ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالْعُتُوِّ فَيَرَوْا بُيُوتًا خَاوِيَةً قَدْ سَقَطَتْ عَلَى عُرُوشِهَا، وَبِئْرًا يَشْرَبُ أَهْلُهَا قَدْ عُطِّلَتْ، وَقَصْرًا بَنَاهُ مَلِكُهَا بِالشِّيدِ قَدْ خَلَا مِنَ السَّكَنِ وَتَدَاعَى مِنَ الْخَرَابِ، فَيَتَّعِظُوا بِذَلِكَ، وَيَخَافُوا مِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ مِثْلَ الَّذِينَ نَزَلَ بِهِمْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ أَبْصَارَهُمُ الظَّاهِرَةَ لَمْ تَعْمَ عَنِ النَّظَرِ، وَإِنَّمَا عَمِيَتْ قُلُوبُهُمْ، فَقَالَ: فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ذَكَرَ الْفَرَّاءُ، وَالزَّجَّاجُ أَنَّ قَوْلَهُ: الَّتِي فِي الصُّدُورِ مِنَ التَّوْكِيدِ الَّذِي تُرِيدُهُ الْعَرَبُ فِي الْكَلَامِ، كَقَوْلِهِ: عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ وَقَوْلِهِ: وَيَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ وَقَوْلِهِ: يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية