الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَقَوْلُهُ: وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ حَمَلُوا الْجِهَادَ هَاهُنَا عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِ الطَّاعَةِ، وَقَالُوا: حَقُّ الْجِهَادِ أَنْ يَكُونَ بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ خَالِصَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: هُوَ أَنْ يَجْتَهِدُوا فِي الْعَمَلِ. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ: نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي فِي التَّغَابُنِ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ . وَحَمَلَهُ الضَّحَّاكُ عَلَى مُجَاهَدَةِ الْكُفَّارِ، فَقَالَ: جَاهِدُوا بِالسَّيْفِ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَإِنْ كَانُوا الْآبَاءَ وَالْأَبْنَاءَ. وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى مُجَاهَدَةِ الْهَوَى وَالنَّفْسِ. هُوَ اجْتَبَاكُمُ اخْتَارَكُمْ وَاصْطَفَاكُمْ لِدِينِهِ، وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ضِيقٍ، فَالْمَعْنَى: مَا جَعَلَ مِنَ التَّوْبَةِ وَالْكَفَّارَاتِ جَعَلَهَا اللَّهُ مَخْرَجًا مِنَ الذُّنُوبِ، فَمَنْ أَذْنَبَ ذَنْبًا لَمْ يَبْقَ فِي ضِيقِ ذَلِكَ الذَّنْبِ، وَلَهُ مِنْهُ مَخْرَجٌ، إِمَّا بِالتَّوْبَةِ، أَوِ الْقَصَاصِ، أَوْ بِنَوْعِ كَفَّارَةٍ، أَوْ بِرَدِّ مَظْلَمَةٍ، فَلَمْ يَبْتَلِ الْمُؤْمِنِينَ بِشَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ إِلَّا جُعِلَ لَهُ مِنْهُ مَخْرَجٌ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي الرُّخَصَ عِنْدَ الضَّرُورَاتِ، كَالْقَصْرِ وَالتَّيَمُّمِ وَأَكْلِ الْمَيْتَةِ وَالْإِفْطَارِ عِنْدَ الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ. وَهُوَ قَوْلُ الْكَلْبِيِّ، وَاخْتِيَارُ الزَّجَّاجِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: الْحَرَجُ مَا كَانَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْإِصْرِ وَالشَّدَائِدِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ، وَضَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَقَوْلُهُ: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ الْأَخْفَشُ، وَالْمُبَرِّدُ، وَالْفَرَّاءُ، وَالزَّجَّاجُ: أَيْ: عَلَيْكُمْ مِلَّةَ أَبِيكُمْ. وَالْمَعْنَى: اتَّبِعُوهَا وَاحْفَظُوهَا، وَالْخِطَابُ إِنْ كَانَ لِلْعَرَبِ خَاصَّةً، فَإِبْرَاهِيمُ أَبُو الْعَرَبِ قَاطِبَةً، وَإِنْ كَانَ خِطَابًا عَامًّا، فَهُوَ أَبُو الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ عَلَيْهِمْ كَحَقِّ الْوَالِدِ، وَأُمِرْنَا بِاتِّبَاعِ مِلَّتِهِ جُمْلَةً لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي مِلَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَوْلُهُ: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ أَيِ: اللَّهُ تَعَالَى سَمَّاكُمْ بِهَذَا الِاسْمِ قَبْلَ إِنْزَالِ الْقُرْآنِ فِي الْكُتُبِ الَّتِي أُنْزِلَتْ قَبْلَهُ. وَفِي هَذَا يَعْنِي الْقُرْآنَ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: مِنْ قَبْلُ. يَعْنِي: فِي أُمِّ الْكِتَابِ. لِيَكُونَ الرَّسُولُ أَيِ: اجْتَبَاكُمُ اللَّهُ وَسَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ لِيَكُونَ الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالتَّبْلِيغِ، وَتَكُونُوا أَنْتُمْ، شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ أَنَّ الرُّسُلَ بَلَّغَتْهُمْ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا الْآيَةَ. وَقَوْلُهُ: فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ قَالَ مُقَاتِلٌ: فَرِيضَتَانِ وَاجِبَتَانِ افْتَرَضَهُمَا اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَدُّوهُمَا إِلَى اللَّهِ. حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا جَدِّي الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، أَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُسْتَفَاضُ الْفِرْيَابِيُّ، نَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْبَلْخِيُّ، نَا عُمَرُ بْنُ هَارُونَ، نَا عُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تُقْبَلُ الصَّلَاةُ إِلَّا بِالزَّكَاةِ" وَقَوْلُهُ: وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ يَعْصِمَكُمْ مِنْ كُلِّ مَا يَسْخَطُ وَيَكْرَهُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: تَمَسَّكُوا بِدِينِ اللَّهِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: ثِقُوا بِاللَّهِ. هُوَ مَوْلَاكُمْ نَاصِرُكُمْ وَالَّذِي يَتَوَلَّى أُمُورَكُمْ، فَنِعْمَ الْمَوْلَى هُوَ لَكُمْ، وَنِعْمَ النَّصِيرُ

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية