الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، إِمْلَاءً، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ الْأَبِيوَرْدِيُّ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نَا يُونُسُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ الْقَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، يَقُولُ: كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الْوَحْيُ يُسْمَعُ عِنْدَ وَجْهِهِ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، فَمَكَثْنَا سَاعَةً فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: " اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلَا تُنْقِصْنَا، وَأَكْرِمْنَا وَلَا تُهِنَّا، وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا، وَآثِرْنَا وَلَا تُؤْثِرْ عَلَيْنَا، وَارْضَ عَنَّا، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْنَا عَشْرُ آيَاتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ، ثُمَّ قَرَأَ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ إِلَى عَشْرِ آيَاتٍ "، رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي (صَحِيحِهِ )، عَنِ الْقَطِيعِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، فَكَأَنِّي سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ الْقَطِيعِيِّ قَالَ الْفَرَّاءُ: قَدْ هَاهُنَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ تَأْكِيدًا لِفَلَاحِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ تَقْرِيبًا لِلْمَاضِي مِنَ الْحَالِ، قَدْ يَقْرُبُ الْمَاضِي مِنَ الْحَالِ حَتَّى تُلْحِقَهُ بِحُكْمِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَبْلَ حَالِ قِيَامِهَا. وَيَكُونُ الْمَعْنَى فِي الْآيَةِ أَنَّ الْفَلَّاحَ قَدْ حَصَلَ لَهُمْ وَأَنَّهُمْ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ سَعِدَ الْمُصَدِّقُونَ وَبَقُوا فِي الْجَنَّةِ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ سَاكِتُونَ مُتَوَاضِعُونَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خُشَّعٌ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ، فَلَا يَعْرِفُ مَنْ عَلَى يَمِينِهِ وَلَا مَنْ عَلَى يَسَارِهِ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى، رَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَنَزَلَتْ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ". وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ قَالَ عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: عَنِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ. وَهُوَ قَوْلُ الضَّحَّاكِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: عَنِ الْمَعَاصِي. قَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ كُلُّ بَاطِلٍ وَلَهْوٍ، وَهَزْلٍ وَمَعْصِيَةٍ، وَمَا لَا يُحْمَدُ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ. وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ أَيْ: مُؤَدُّونَ، فَعَبَّرَ عَنِ التَّأْدِيَةِ بِالْفِعْلِ لِأَنَّهُ فِعْلٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِلصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ مُؤَدُّونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ قَالَ اللَّيْثُ: الْفَرْجُ اسْمٌ يَجْمَعُ سَوْءَاتِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَالْقُبُلَاتُ وَمَا حَوَالَيْهِمَا كُلُّهُ فَرْجٌ. وَالْمُرَادُ بِالْفُرُوجِ هَاهُنَا فُرُوجُ الرِّجَالِ خَاصَّةً، قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي يَعِفُّونَ عَمَّا لَا يَحِلُّ لَهُمْ. إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ عَلَى هَاهُنَا بِمَعْنَى مِنْ فِي قَوْلِ الْفَرَّاءِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْمَعْنَى أَنَّهُمْ يُلَامُونَ فِي إِطْلَاقِ مَا حُظِرَ عَلَيْهِمْ وَأُمِرُوا بِحِفْظِهِ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ. وَدَلَّ عَلَى الْمَحْذُوفِ ذِكْرُ اللَّوْمِ فِي آخِرِ الْآيَةِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: يَحْفَظُ فَرْجَهُ إِلَّا مِنَ امْرَأَتِهِ أَوْ مِنْ أَمَتِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُلَامُ عَلَى ذَلِكَ. فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ أَيْ: طَلَبَ سِوَى الْأَزْوَاجِ وَالْإِمَاءِ الْمَمْلُوكَةِ، فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ الظَّالِمُونَ الْمُتَجَاوِزُونَ إِلَى مَا لَا يَحِلُّ. وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ لِأَمَانَتِهِمْ وَاحِدَةً، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَصْدَرٌ وَاسْمُ جِنْسٍ فَيَقَعُ عَلَى الْكَثِيرِ، وَإِنْ كَانَ مُفْرَدًا فِي اللَّفْظِ، وَالْأَمَانَةُ تَخْتَلِفُ نَحْوَ الْأَمَانَةِ الَّتِي بَيْنَ الْعَبِيدِ فِي حُقُوقِهِمْ كَالْوَدَائِعِ وَالْبَضَائِعِ، وَمَا تَكُونُ الْيَدُ فِيهِ يَدُ أَمَانَةٍ، وَتَكُونُ الْأَمَانَةُ الَّتِي بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ كَالصِّيَامِ وَالِاغْتِسَالِ وَالصَّلَاةِ، وَيَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ الْوَفَاءُ بِجَمِيعِ ضُرُوبِ الْأَمَانَاتِ، وَقَوْلُهُ: وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا عَاهَدَ رَجُلًا وَفَّى لَهُ. وَمَعْنَى رَاعُونَ: حَافِظُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ وَقُرِئَ صَلَاتِهِمْ وَمَنْ أَفْرَدَ فَلِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ، وَمَنْ جَمَعَ فَلِأَنَّهُ قَدْ صَارَ اسْمًا شَرْعِيًّا لِانْضِمَامِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ إِلَيْهَا، وَمَعْنَى الْآيَةِ: وَالَّذِينَ هُمْ يُحَافِظُونَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ، فَيُقِيمُونَهَا فِي أَوْقَاتِهَا. أُولَئِكَ يَعْنِي: الْمَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، هُمُ الْوَارِثُونَ يَرِثُونَ مَنَازِلَ أَهْلِ النَّارِ مِنَ الْجَنَّةِ. أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ مَاهَانَ الْبَشْتَرِيُّ، بِهَا، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ نَصْرٍ الْفَرَائِضِيُّ، نَا أَبُو هَمَّامٍ الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، نَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا لَهُ مَنْزِلَانِ؛ مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَإِنْ مَاتَ وَدَخَلَ النَّارَ وَرِثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ، عَزَّ وَجَلَّ: أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ثُمَّ ذَكَرَ مَا يُورَثُونَ فَقَالَ: الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ خَيْرَ الْجِنَانِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَنْ حَفِظَ عَمَلَ الْعَشَرَةِ مِنْ سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَرِثَ الْفِرْدَوْسَ. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ أَيُّوبَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَعْشَرٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " خَلَقَ اللَّهُ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ بِيَدِهِ؛ خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ، وَكَتَبَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ، وَغَرَسَ الْفِرْدَوْسَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، لَا يَدْخُلُهَا مُدْمِنُ خَمْرٍ وَلَا دَيُّوثٌ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَرَفْنَا مُدْمِنَ الْخَمْرِ، فَمَا الدَّيُّوثُ؟ قَالَ: الَّذِي يُقِرُّ السُّوءَ لِأَهْلِهِ

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية