الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا قَوْلُهُ: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ وَفِي تَشَقَّقُ قِرَاءَتَانِ: بِتَشْدِيدِ الشِّينِ، وَتَخْفِيفِهَا، فَمَنْ شَدَّدَ أَدْغَمَ التَّاءَ فِي الشِّينِ، وَالْأَصْلُ تَتَشَقَّقُ، وَمَنْ خَفَّفَ حَذَفَ وَلَمْ يُدْغِمْ. وَقَوْلُهُ: السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: تَشَقَّقُ السَّمَاءُ وَعَلَيْهَا غَمَامٌ، كَمَا تَقُولُ: رَكِبَ الْأَمِيرُ بِسِلَاحِهِ، وَخَرَجَ بِثِيَابِهِ، أَيْ وَعَلَيْهِ سِلَاحُهُ، وَإِنَّمَا تَتَشَقَّقُ سَمَاءُ الدُّنْيَا فَيَنْزِلُ أَهْلُهَا وَهُمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، ثُمَّ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ الثَّانِيَةُ فَيَنْزِلُ أَهْلُهَا وَهُمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَمِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، ثُمَّ كَذَلِكَ حَتَّى تَشَقَّقُ السَّمَاءُ السَّابِعَةُ، وَأَهْلُ كُلِّ سَمَاءٍ يَزِيدُونَ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ الَّتِي قَبْلَهَا. الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ أَيِ: الْمُلْكُ الَّذِي هُوَ الْمُلْكُ حَقًّا مُلْكُ الرَّحْمَنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُونَ أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا مَلِكَ يَقْضِي غَيْرُهُ. وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا عَسِرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ الْيَوْمُ لِشِدَّتِهِ وَمَشَقَّتِهِ، وَيَهُونُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كَأَدْنَى صَلَاةٍ صَلَّوْهَا فِي دَارِ الدُّنْيَا، وَفِي الْآيَةِ تَبْشِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ حَيْثُ خَصَّ الْكَافِرِينَ بِشِدَّةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ. قَوْلُهُ: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ قَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيِّطٍ دَعَا مَجْلِسًا فِيهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَعَامٍ، فَأَبَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْكُلَ، وَقَالَ: لَا آكُلُ حَتَّى تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ. فَشَهِدَ بِذَلِكَ عُقْبَةُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، وَكَانَ خَلِيلًا لَهُ، فَقَالَ: صَبَوْتَ يَا عُقْبَةُ. فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا صَبَوْتُ، وَإِنَّ أَخَاكَ عَلَى مَا تَعْلَمُ، وَلَكِنِّي صَنَعْتُ طَعَامًا فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ حَتَّى قُلْتُ ذَلِكَ، وَلَيْسَ مِنْ نَفْسِي. فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ يَعْنِي: عُقْبَةُ عَلَى يَدَيْهِ تَحَسُّرًا وَنَدَمًا، قَالَ عَطَاءٌ: يَأْكُلُ يَدَيْهِ حَتَّى تَذْهَبَا إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ، ثُمَّ تَنْبُتَانِ، لَا يَزَالُ هَكَذَا كُلَّمَا نَبَتَتْ يَدُهُ أَكَلَهَا نَدَامَةً عَلَى مَا فَعَلَ. يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا لَيْتَنِي اتَّبَعْتُ مُحَمَّدًا وَاتَّخَذْتُ مَعَهُ سَبِيلًا إِلَى الْهُدَى. يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا يَعْنِي أَبِيًّا. لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي صَرَفَنِي وَرَدَّنِي عَنِ الْقُرْآنِ وَالْإِيمَانِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي مَعَ الرَّسُولِ، وَتَمَّ الْكَلَامُ هَاهُنَا، ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا يَعْنِي: الْكَافِرُ يَتَبَرَّأُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية