الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      طسم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. طسم قَالَ الْوَالِبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: طسم قَسَمٌ، وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ اسْمٌ لِلسُّورَةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ، وَقَالَ الْقُرَظِيُّ: قَسَمُ اللَّهِ بِطُولِهِ وَسَنَائِهِ وَمُلْكِهِ. وَبَاقِي الْآيَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ. لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ فَسَّرْنَاهُ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَمَّا كَذَّبَتْ قُرَيْشٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَكَانَ يَحْرِصُ عَلَى إِيمَانِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَهِيَ كَالْإِنْكَارِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ إِنْ لَمْ يَهْدِهِمْ لَمْ يَهْتَدُوا، فَمَا يُغْنِي عَنْهُمْ حِرْصُهُ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: لَعَلَّكَ قَاتِلٌ نَفْسَكَ لِتَرْكِهِمُ الْإِيمَانَ. ثُمَّ أَعْلَمَ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يُنَزِّلَ مَا يَضْطَرُّهُمْ إِلَى الطَّاعَةِ لَقَدَرَ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لَوْ شَاءَ لَأَرَاهُمْ أَمْرًا مِنْ أَمْرِهِ لَا يَعْمَلُ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَعْدَهُ مَعْصِيَةً. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ آيَةً يَذِلُّونَ بِهَا، فَلَا يَلْوِي أَحَدٌ مِنْهُمْ عُنُقَهُ إِلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ. وَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ جَعَلَ الْفِعْلَ أَوَّلًا لِلْأَعْنَاقِ، ثُمَّ جَعَلَ خَاضِعِينَ لِلرِّجَالِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَعْنَاقَ إِذَا خَضَعَتْ فَأَصْحَابُهَا خَاضِعُونَ. قَالَ الْأَخْفَشُ: يُجْعَلُ الْخُضُوعُ مَرْدُودًا عَلَى الْمُضْمَرِ الَّذِي أُضِيفَتِ الْأَعْنَاقُ إِلَيْهِ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: الْمُرَادُ بِالْأَعْنَاقِ الْجَمَاعَاتُ، يُقَالُ: جَاءَ الْقَوْمُ عُنُقًا عُنُقًا، أَيْ: جَمَاعَاتٍ جَمَاعَاتٍ. قَوْلُهُ: وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ أَيْ: وَعْظٌ وَتَذْكِيرٌ مِنَ اللَّهِ، يَعْنِي الْقُرْآنَ، مُحْدَثٍ فِي الْوَحْيِ وَالتَّنْزِيلِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: كُلَّمَا نَزَلَ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ بَعْدَ شَيْءٍ، فَهُوَ أَحْدَثُ مِنَ الْأَوَّلِ. وَقَوْلُهُ: فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ الْآيَةُ مُفَسَّرَةٌ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ. ثُمَّ ذَكَرَ مَا يَدُلُّهُمْ عَلَى قُدْرَتِهِ، فَقَالَ: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ يَعْنِي الْمُكَذِّبِينَ، كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَيِّتَةً لَا نَبَاتَ فِيهَا، مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ وَضَرْبٍ حَسَنٍ فِي الْمَنْظَرِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ، قَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَى زَوْجٍ نَوْعٌ، وَكَرِيمٌ مَحْمُودٌ فِيمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَالْمَعْنَى: مِنْ كُلِّ زَوْجٍ نَافِعٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِنْبَاتِهِ إِلَّا رَبُّ الْعَالَمِينَ. إِنَّ فِي ذَلِكَ يَعْنِي: مَا ذُكِرَ مِنَ الْإِنْبَاتِ فِي الْأَرْضِ، لَآيَةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ فِي عِلْمِ اللَّهِ، يَقُولُ: قَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِي أَنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْمُنْتَقِمُ مِنْ أَعْدَائِهِ، الرَّحِيمُ بِأَوْلِيَائِهِ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية