الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      ثُمَّ قَالَ لِكُفَّارِ مَكَّةَ: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ . ثُمَّ أَخْبَرَ، فَقَالَ: تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ عَلَى كُلِّ كَذَّابٍ فَاجِرٍ، قَالَ قَتَادَةُ: هُمُ الْكَهَنَةُ، تَسْتَرِقُ الْجِنُّ السَّمْعَ، ثُمَّ يَأْتُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ مِنَ الْإِنْسِ. وَهُوَ قَوْلُهُ: يُلْقُونَ السَّمْعَ أَيْ: يُلْقُونَ مَا سَمِعُوهُ إِلَى الْكَهَنَةِ، وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ لِأَنَّهُمْ يَخْلِطُونَ بِهِ كَذِبًا كَثِيرًا، وَهَذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَعْدَ ذَلِكَ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا. قَوْلُهُ: وَالشُّعَرَاءُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ شُعَرَاءَ الْمُشْرِكِينَ. وَذَكَرَ مُقَاتِلٌ أَسْمَاءَهُمْ، فَقَالَ: مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرِيِّ السَّهْمِيُّ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، وَهُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ الْمَخْزُومِيُّ، وَمُسَافِعُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ الْجُمَحِيُّ، وَأَبُو عَزَّةَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصُّلْبِ الثَّقَفِيُّ، تَكَلَّمُوا بِالْكَذِبِ وَالْبَاطِلِ، وَقَالُوا: نَحْنُ نَقُولُ مِثْلَ مَا قَالَ مُحَمَّدٌ. وَقَالُوا الشِّعْرَ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِمْ غُوَاةٌ مِنْ قَوْمِهِمْ يَسْتَمِعُونَ أَشْعَارَهُمْ وَيُرَدِّدُونَ عَنْهُمْ حِينَ يَهْجُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ: يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ يَعْنِي: الَّذِينَ يُرَدِّدُونَ هِجَاءَ الْمُسْلِمِينَ، وَسَبَّ الصَّحَابَةِ، وَالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ: الْغَاوُونَ الشَّيَاطِينُ. أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ يُقَالُ: هَامَ يَهِيمُ هَيَمَانًا وَهَيْمًا إِذَا ذَهَبَ عَلَى وَجْهِهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي كُلِّ فَنٍّ مِنَ الْكَذِبِ يَتَكَلَّمُونَ، وَفِي كُلِّ لَغْوٍ يَخُوضُونَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يَمْدَحُونَ بِبَاطِلٍ، وَيَشْتُمُونَ بِبَاطِلٍ، قَالُوا ذِي يُمَثِّلُ الْفُنُونَ مِنَ الْكَلَامِ. وَهَيَمَانُهُمْ فِيهِ قَوْلُهُمْ عَلَى الْجَهْلِ بِمَا يَقُولُونَ مِنْ لَغْوٍ بَاطِلٍ، وَغُلُوٍّ فِي مَدْحٍ أَوْ ذَمٍّ. وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ قَالَ مُقَاتِلٌ: يَقُولُونَ فَعَلْنَا وَفَعَلْنَا وَهُمْ كَذَبَةٌ. ثُمَّ اسْتَثْنَى شُعَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قَالَ الْكَلْبِيُّ، وَمُقَاتِلٌ: هُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، وَسَائِرُ شُعَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ مَدَحُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَدُّوا هِجَاءَ مَنْ هَجَاهُ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ الصَّيْدَلَانِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأُمَوِيُّ، نَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدٍ، نَا أَبِي، نَا الْأَوْزَاعِيُّ، نَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَاذَا تَقُولُ فِي الشِّعْرِ؟ فَقَالَ: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُجَاهِدُ بِسَيْفِهِ وَلِسَانِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَكَأَنَّمَا تَنْضَحُونَهُمْ بِالنَّبْلِ". أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ الْجَوْزَقِيُّ، أَنَا بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَاجِيَةَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، نَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، نَا الْبَرَاءُ، سَمِعْتُ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اهْجُهُمْ، أَوْ هَاجِهِمْ، وَرُوحُ الْقُدُسِ مَعَكَ" ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَمْرٍو، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ أَبِيهِ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنَا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْقَطَّانُ، نَا إِسْحَاقُ بْنُ خَالَوَيْهِ، نَا عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى الْقَطَّانُ، نَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، عَنْ أُبَيِّ بْنَ كَعْبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً". أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ، نَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: الشِّعْرُ كَلَامٌ، فَمِنْهُ حَسَنٌ، وَمِنْهُ قَبِيحٌ، فَخُذِ الْحَسَنَ، وَدَعِ الْقَبِيحَ، وَلَقَدْ رُوِيَتْ أَشْعَارًا مِنْهَا الْقَصِيدَةُ أَرْبَعُونَ وَدُونَ ذَلِكَ . أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظِ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُعَدَّانِ، نَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ الطُّوسِيُّ، نَا هَشِيمٍ، أَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ الشِّعْرَ، وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ الشِّعْرَ، وَكَانَ عَلَيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَشْعَرَ الثَّلَاثَةِ. وَقَوْلُهُ: وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا أَيْ: لَمْ يَشْغَلْهُمُ الشِّعْرُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَلَمْ يَجْعَلُوا الشِّعْرَ هَمَّهُمْ، وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا قَالَ مُقَاتِلٌ: انْتَصَرُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّهُمْ بَدَأُوا بِالْهِجَاءِ. ثُمَّ أَوْعَدَ شُعَرَاءَ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيْ: أَشْرَكُوا وَهَجَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ، أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي أَنَّهُمْ يَنْقَلِبُونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ يُخَلَّدُونَ فِيهَا.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية