الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      أَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّا الشَّيْبَانِيُّ، أَنَا أَبُو سَهْلِ بْنُ بِشْرٍ، نَا سَمَّانَةُ بِنْتُ حَمْدَانَ بْنِ مُوسَى الْأَنْبَارِيَّةُ، بِالْأَنْبَارِ، قَالَتْ: نَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى ابْنُ الْعَسْكَرِيِّ، نَا أَحْمَدُ بْنُ كَثِيرٍ الْوَاسِطِيُّ، نَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَامَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَقَالُوا: أَنْتَ ابْنُ عَبَّاسٍ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالُوا: أَنْتَ ابْنُ عَمِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَالسَّفِيرُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ جِبْرِيلُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، قَالُوا: فَإِنَّا قَوْمٌ قَدْ قَرَأْنَا الْكُتُبَ وَعَرَفْنَا مَا فِيهَا، وَنَحْنُ سَائِلُونَ عَنْ سَبْعَةِ أَشْيَاءَ، فَإِنْ أَنْتَ أَخْبَرْتِنَا بِهَا آمَنَّا وَصَدَّقْنَا، قَالَ: سَلُونِي تَفَقُّهًا، وَلَا تَسْأَلُونِي تَفَنُّنًا، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، دَعَا لِي فَقَالَ: "اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ" فَعَلِمْتُ أَنَّ دَعْوَةَ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تَلْحَقُنِي، سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ، قَالُوا: أَخْبِرْنَا مَا يَقُولُ، وَالزُّرْزُورِ، وَالدُّرَّاجُ، وَالدِّيكُ فِي صَقِيعِهِ، وَالْحِمَارُ فِي نَهِيقِهِ، وَالضِّفْدِعُ فِي نَقِيقِهِ، وَالْفَرَسُ فِي صَهِيلِهِ، قَالَ: نَعَمْ، أُخْبِرُكُمْ؛ أَمَّا الْقُنْبُرُ فَإِنَّهُ يَقُولُ فِي صَفِيرِهِ: اللَّهُمَّ الْعَنْ مُبْغِضِي مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَأَمَّا الزُّرْزُورُ فَإِنَّهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ قُوتَ يَوْمٍ بِيَوْمٍ يَا رَازِقُ، وَأَمَّا الدُّرَّاجُ فَيَقُولُ: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، وَأَمَّا الدِّيكُ فَإِنَّهُ يَقُولُ: اذْكُرُوا اللَّهَ يَا غَافِلِينَ، وَأَمَّا الضِّفْدِعُ فَإِنَّهُ يَقُولُ فِي نَقِيقِهِ: سُبْحَانَ الْمَعْبُودِ فِي لُجَجِ الْبِحَارِ، وَأَمَّا الْحِمَارُ فَإِنَّهُ يَقُولُ فِي نَهِيقِهِ: اللَّهُمَّ الْعَنِ الْعَشَّارَ، وَأَمَّا الْفَرَسُ فَإِنَّهُ يَقُولُ فِي صَهِيلِهِ إِذَا الْتَقَتِ الْفِئَتَانِ وَمَشَى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ، قَالُوا: يَا بْنَ عَبَّاسٍ، نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَسْلَمُوا وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ، قَالَ الْفَرَّاءُ: مَنْطِقُ الطَّيْرِ كَلَامُ الطَّيْرِ، فَجَعَلَهُ كَمَنْطِقِ الرَّجُلِ إِذَا فَهِمَ وَأَنْشَدَ قَوْلَ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ: عَجِبْتُ أَنَّى يَكُونُ عَنَاؤُهَا فَصِيحًا وَلَمْ يُقِرَّ بِمَنْطِقِهَا فَمَا وَمَعْنَى الْآيَةِ: فَهِمْنَا مَا تَقُولُ الطَّيْرَ، وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي الْمُلْكَ وَالنُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ، وَتَسْخِيرَ الرِّيَاحِ، وَسُخْرَةَ الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ، وَنُطْقَ الطَّيْرِ. إِنَّ هَذَا الَّذِي أُعْطِينَا، لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ الزِّيَادَةُ الظَّاهِرَةُ عَلَى مَا أُعْطِي غَيْرُنَا. قَوْلُهُ: وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ أَيْ: جُمِعَ لَهُ جُمُوعُهُ وَكُلُّ صِنْفٍ مِنَ الْخَلْقِ جُنْدٌ عَلَى حِدَةٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: كَانَ سُلَيْمَانُ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَمَرَ فَجُمِعَ طَوَائِفُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْجُنُودِ عَلَى بِسَاطٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَأْمُرُ الرِّيحَ فَتَحْمِلُهُمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. وَالْمَعْنَى: وَجُمِعَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ فِي مَسِيرٍ لَهُ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: بَلَغَنَا أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ عَسْكَرُهُ مِائَةُ فَرْسَخٍ: خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ مِنْهَا لِلْإِنْسِ، وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ مِنْهَا لِلْجِنِّ، وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ لِلْوَحْشِ، وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ لِلطَّيْرِ، وَكَانَ لَهُ أَلْفُ بَيْتٍ مِنْ قَوَابِرَ عَلَى الْخَشَبِ فِيهَا ثَلَاثُ مِائَةِ كَتِيبَةٍ وَسَبْعُ مِائَةِ سَرِيَّةٍ، فَيَأْمُرُ الرِّيحَ الْعَاصِفَةَ فَتَرْفَعُهُ، وَيَأْمُرُ الرُّخَاءَ فَتَسِيرُ بِهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَسِيرُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنِّي قَدْ زِدْتُ فِي مُلْكِكَ أَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ مِنَ الْخَلَائِقِ بِشَيْءٍ إِلَّا جَاءَتْ بِهِ الرِّيحُ فَأَخْبَرَتْكَ بِهِ، وَقَوْلُهُ: فَهُمْ يُوزَعُونَ قَالَ قَتَادَةُ: عَلَى صِنْفٍ مِنْ جُنُودِهِ وَزَعَةٌ تَرُدُّ أُولَاهُمْ عَلَى أُخْرَاهُمْ، يَعْنِي: لِيَجْتَمِعُوا وَيَتَلَاحَقُوا وَهُوَ مِنَ الْوَزْعِ الَّذِي هُوَ الْكَفُّ، يُقَالُ: وَزَعْتُهُ أَزَعُهُ وَزَعًا، وَالشَّيْبُ وَازِعٌ، أَيْ مَانِعٌ، قَالَ اللَّيْثُ: وَالْوَازِعُ فِي الْحَرْبِ الْمُوَكَّلُ بِالصُّفُوفِ، يَزَعُ مَا تَقَدَّمَ مِنْهُمْ. حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ أَيْ أَشْرَفُوا عَلَيْهِ، قَالَ كَعْبٌ: هُوَ بِالطَّائِفِ. وَقَالَ قَتَادَةُ، وَمُقَاتِلٌ: هُوَ بِالشَّامِ. قَالَتْ نَمْلَةُ أَيْ: صَاحَتْ بِصَوْتٍ خَلَقَهُ اللَّهُ لَهَا، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الصَّوْتُ مَفْهُومًا لِسُلَيْمَانَ عَبَّرَ عَنْهُ بِالْقَوْلِ. قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: وَمَعْرِفَةُ النَّمْلَةِ مُعْجِزَةٌ لَهُ، أَلْهَمَهَا اللَّهُ مَعْرِفَتَهُ حَتَّى عَرَفَتْهُ وَحَذَّرَتِ النَّمْلَ حَطْمَهُ، وَهُوَ قَوْلُهَا: يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَالنَّمْلُ تَعْرِفُ كَثِيرًا مِنْ مَنَافِعِهَا مِنْ ذَلِكَ، إِنَّهَا تَكْسِرُ الْحَبَّةَ بِقِطْعَتَيْنِ لِئَلَّا تَنْبُتَ إِلَّا الْكُزْبَرَةَ فَإِنَّهَا تُكْسَرُ بِأَرْبَعِ قِطَعٍ لِأَنَّهَا تَنْبُتُ إِذَا كُسِرَتْ بِقِطْعَتَيْنِ، فَالَّذِي هَدَاهَا إِلَى هَذَا هُوَ الَّذِي أَلْهَمَهَا مَعْرِفَةَ سُلَيْمَانَ، وَمَعْنَى لَا يَحْطِمَنَّكُمْ لَا يَكْسِرَنَّكْمُ، وَالْحَطْمُ الْكَسْرُ، وَالْحُطَامُ مَا تَحَطَّمَ، وَقَوْلُهُ: وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ أَيْ: بِحَطْمِكُمْ وَوَطْئِكُمْ. قَالَ مُقَاتِلٌ: قَدْ عَلِمَتِ النَّمْلَةُ إِنَّهُ مَلِكٌ لَا بَقِيَّ فِيهِ، وَإِنَّهُ إِنْ عَلِمَ بِهَا قَبْلَ أَنْ يَغْشَاهَا لَمْ يَتَوَطَّأْهَا، لِذَلِكَ قَالَتْ: وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سُلَيْمَانَ وَجُنُودَهُ كَانُوا رُكْبَانًا وَمُشَاةً عَلَى الْأَرْضِ، وَلَمْ تَحْمِلْهُمُ الرِّيحُ؛ لِأَنَّ الرِّيحَ لَوْ حَمَّلَتْهُمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مَا خَافَتِ النَّمْلُ أَنْ يَتَوَاطَأَهَا بِأَرْجُلِهِمْ، وَلَعَلَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ قَبْلَ تَسْخِيرِ اللَّهِ الرِّيحَ لِسُلَيْمَانَ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: طَارَتِ الرِّيحُ بِكَلَامِ النَّمْلَةِ فَأَدْخَلَتْهُ أُذُنَ سُلَيْمَانَ، فَلَمَّا سَمِعَ كَلَامَهَا تَبَسَّمَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا قَالَ الزَّجَّاجُ: أَكْثَرُ ضَحِكِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ التَّبَسُّمُ، وَضَاحِكًا حَالٌ، وَمَعْنَاهُ مُتَبَسِّمًا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِلَفْظِ الضَّحِكِ أَكْثَرَ مِنَ التَّبَسُّمِ، وَسَبَبُ ضَحِكِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِ النَّمْلَةِ التَّعَجُّبُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا رَأَى مَا لَا عَهْدَ لَهُ بِهِ تَعَجَّبَ وَضَحِكَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: ثُمَّ حَمِدَ رَبَّهُ حِينَ عَلَّمَهُ مَنْطِقَ كُلِّ شَيْءٍ وَسَمِعَ كَلَامَ النَّمْلَةِ. وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَيْ أَلْهِمْنِي، أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ يُقَالُ: فُلَانٌ مُوزَعٌ بِكَذَا، أَيْ مُولَعٌ بِهِ، وَقَوْلُهُ: وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ أَيْ: أَدْخِلْنِي فِي جُمْلَتِهِمْ، وَأَثْبِتِ اسْمِي مَعَ أَسْمَائِهِمْ، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَتِهِمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ النَّبِيِّينَ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية