الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      قَوْلُهُ: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ . أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْهَرَوِيُّ ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيُّ ، نَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ ، نَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، أَنَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ: " يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةٌ أَحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ، قَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيُعَاوِدَانِهِ تِلْكَ الْمَقَالَةَ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ بِهِ: أَنَا عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ، تَعَالَى، فِي أَبِي طَالِبٍ، وَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ حَرْمَلَةَ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ . حَدَّثَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، نَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الشَّيْبَانِيُّ ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ ، نَا عَبْدُ الرَّحْمِنِ بْنُ بِشْرٍ ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ ، نَا أَبُو حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِعَمِّهِ: " قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ "، قَالَ: لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي نِسَاءُ قُرَيْشٍ؛ تَقُلْنَ: إِنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ، فَأَنْزَلَ، عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَهَذَا قَوْلُ جَمَاعَةِ الْمُفَسِّرِينَ؛ أَجْمَعُوا أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ . قَالَ الزَّجَّاجُ : ابْتِدَاءُ نُزُولِهَا بِسَبَبِ أَبِي طَالِبٍ ، وَهِيَ عَامَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَهْدِي إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا يُرْشِدُ وَلَا يُوَفِّقُ إِلَّا هُوَ. وَقَوْلُهُ: مَنْ أَحْبَبْتَ يَكُونُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا لِلْقُرْبَةِ، وَالْآخَرُ أَحْبَبْتَ أَنْ يَهْتَدِيَ. وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي يُرْشِدُ، مَنْ يَشَاءُ لِدِينِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَمُقَاتِلٌ : مِمَّنْ قُدِّرَ لَهُ الْهُدَى. وَقَوْلُهُ: وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: قَالَتْ قُرَيْشٌ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِ اتَّبَعْنَاكَ عَلَى دِينِكَ خِفْنَا الْعَرَبَ عَلَى أَنْفُسِنَا أَنْ يُخْرِجُونَا مِنْ أَرْضِنَا مَكَّةَ إِنْ تَرَكْنَا مَا يَعْبُدُونَ، وَمَعْنَى التَّخَطُّفِ الِانْتِزَاعُ بِسُرْعَةٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا ذَا أَمْنٍ يَأْمَنُ فِيهِ النَّاسُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تُغِيرُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، وَأَهْلُ مَكَّةَ آمِنُونَ فِي الْحَرَمِ مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَالْغَزْوِ، أَيْ: فَكَيْفَ يَخَافُونَ إِذَا أَسْلَمُوا وَهُمْ فِي حَرَمٍ آمِنٍ، كَمَا قَالَ: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ قَالَ الْفَرَّاءُ : يَقُولُ: أَوَلَمْ نُسْكِنْهُمْ حَرَمًا يُخَافُ مَنْ دَخَلَهُ، فَكَيْفَ يَخَافُونَ الْعَرَبَ. وَمَعْنَى أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا : أَوْ لَمْ نَجْعَلْهُ مَكَانًا لَهُمْ. وَقَوْلُهُ: يُجْبَى إِلَيْهِ يُجْمَعُ، مِنْ قَوْلِكَ: جَبَيْتُ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ، أَيْ جَمَعْتُ. وَقُرِئَ تُجْبَى بِالتَّاءِ لِحَيْلُولَةِ الْحَرْفِ بَيْنَ الِاسْمِ الْمُؤَنَّثِ وَالْفِعْلِ، كَقَوْلِهِمْ: حَضَرَ الْقَاضِي الْيَوْمَ امْرَأَةٌ. قَالَ مُقَاتِلٌ : يُحْمَلُ إِلَى الْحَرَمِ. ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ مِصْرَ وَالشَّامِ ، وَالْيَمَنِ وَالْعِرَاقِ ، رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا رَزَقْنَاهُمْ رِزْقًا مِنْ عِنْدِنَا، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَعْنِي: أَهْلَ مَكَّةَ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّا فَعَلْنَا ذَلِكَ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية