الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية

السفاريني - محمد بن أحمد بن سالم السفاريني

جزء صفحة
ثُمَّ أَشَارَ فِي النَّظْمِ إِلَى مَسْأَلَةٍ عَظِيمَةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ الْبَارِي لَا تُعَلَّلُ ، فَقَالَ : ( ( وَجَازَ لِلْمَوْلَى يُعَذِّبُ الْوَرَى مِنْ غَيْرِمَا ذَنْبٍ وَلَا جُرْمٍ جَرَى ) ) ( ( فَكُلُّ مَا مِنْهُ - تَعَالَى - يَجْمُلُ لِأَنَّهُ عَنْ فِعْلِهِ لَا يُسْأَلُ ) ) ( ( فَإِنْ يُثِبْ فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَإِنْ يُعَذِّبْ فَبِمَحْضِ عَدْلِهِ ) ) ( ( فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِعْلُ الْأَصْلَحِ وَلَا الصَّلَاحُ وَيْحَ مَنْ لَمْ يُفْلِحِ ) ) ( ( فَكُلُّ مَنْ شَاءَ هُدَاهُ يَهْتَدِي وَإِنْ يُرِدْ ضَلَالَ عَبْدٍ يَعْتَدِ ) ) ( ( وَجَازَ لِلْمَوْلَى ) ) جَلَّ وَعَلَا . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْمَوْلَى اسْمٌ يَقَعُ عَلَى جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ ، فَهُوَ الرَّبُّ ، وَالْمَالِكُ ، وَالسَّيِّدُ ، وَالْمُنْعِمُ ، وَالْمُعْتِقُ ، وَالنَّاصِرُ ، وَالْمُحِبُّ ، وَالتَّابِعُ وَالْجَارُ ، وَابْنُ الْعَمِّ ، وَالْحَلِيفُ ، وَالْعَقِيدُ ، وَالصِّهْرُ ، وَالْعَبْدُ ، وَالْمُعْتِقُ ، وَالْمُنْعِمُ عَلَيْهِ ، وَأَكْثَرُهَا قَدْ جَاءَتْ فِي الْحَدِيثِ ، فَيُضَافُ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْحَدِيثُ الْوَارِدُ فِيهِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ، وَإِنَّمَا اخْتِيرَ هُنَا الْمَوْلَى دُونَ غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الْأَسْمَاءِ لِمُنَاسَبَةِ الْمَقَامِ ( ( يُعَذِّبُ الْوَرَى ) ) كَفَتَى ، الْخَلْقُ ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا ذَوُو الْعُقُولِ ( ( أَوِ ) ) الْحَيَوَانُ مِنْ كُلِّ جِسْمٍ نَامٍ مُتَحَرِّكٍ بِالْإِرَادَةِ ، أَوْ عَلَى عُمُومِهِ ، وَإِرَادَةُ الْأَوَّلِ أَوْلَى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : ( ( مِنْ غَيْرِمَا ) ) زَائِدَةٌ لِمَزِيدِ تَأْكِيدِ النَّفْيِ ، أَيْ مِنْ غَيْرِ ( ( ذَنْبٍ ) ) أَيْ إِثْمٍ ( ( وَلَا جُرْمٍ ) ) وَهُوَ بِمَعْنَى مَا قَبْلَهُ ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْجُرْمُ الذَّنْبُ ، وَقَدْ جَرَمَ وَاجْتَرَمَ وَتَجَرَّمَ انْتَهَى . وَفِي الْقَامُوسِ : الْجُرْمُ بِالضَّمِّ الذَّنْبُ كَالْجَرِيمَةِ ، وَالْجَمْعُ جِرَامٌ وَجُرُومٌ ، وَإِنَّمَا حَسُنَ عَطْفُهُ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ لِقَصْدِ الْبَيَانِ ، وَالْإِيضَاحِ ، وَالتَّعْرِيفِ لِشِبْهِهِ بِالْخَطَابَةِ ( ( جَرَى ) ) مِنَ الْعَبْدِ وَلَا صَدَرَ عَنْهُ ، وَلَا تَمَادَى عَلَيْهِ فَيَجُوزُ عَلَيْهِ - تَعَالَى - عَقْلًا أَنْ يُثِيبَ الْعَاصِيَ ، وَأَنْ يُعَاقِبَ الطَّائِعَ لَوْلَا مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ إِثَابَةِ الْمُطِيعِ ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَاحِدٌ مِنَ الْأَمْرَيْنِ ( ( فَكُلُّ مَا ) ) أَيْ شَيْءٍ ( ( مِنْهُ - تَعَالَى - ) ) مِنْ إِثَابَةٍ وَعُقُوبَةٍ وَخَلْقِ خَيْرٍ وَشَرٍّ ( ( يَجْمُلُ ) ) أَيْ يَحْسُنُ . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْجَمَالُ الْحُسْنُ فِي الْخَلْقِ ، وَالْخَلْقُ يُقَالُ جَمُلَ كَكَرُمَ ، فَهُوَ جَمِيلٌ كَأَمِيرٍ وَغُرَابٍ وَرُمَّانٍ . وَفِي النِّهَايَةِ : الْجَمَالُ يَقَعُ عَلَى الصُّوَرِ ، وَالْمَعَانِي ، وَمِنْهُ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ ، أَيْ حَسَنُ الْأَفْعَالِ كَامِلُ الْأَوْصَافِ . فَكُلُّ مَا يَصْدُرُ عَنِ الْبَارِي - جَلَّ شَأْنُهُ - مِنَ الْأَمْرِ ، وَالْخَلْقِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ - حَسَنٌ جَمِيلٌ ، حَتَّى إِثَابَةُ الْعَاصِي وَعُقُوبَةُ الْمُطِيعِ ( ( لِأَنَّهُ ) ) - تَعَالَى - ( ( عَنْ فِعْلِهِ ) ) الَّذِي يَصْدُرُ عَنْهُ ( ( لَا يُسْأَلُ ) ) كَمَا قَالَ - تَعَالَى - : لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ( ( فَإِنْ يُثِبْ ) ) عِبَادَهُ الْمُطِيعِينَ وَخَلْقَهُ الْمُتَّقِينَ ، وَالثَّوَابُ الْجَزَاءُ ، وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ التَّيِّهَانِ ( أَثِيبُوا أَخَاكُمْ ) أَيْ جَازُوهُ عَلَى صَنِيعِهِ ، يُقَالُ أَثَابَهُ يُثِيبُهُ إِثَابَةً ، وَالِاسْمُ الثَّوَابُ ، وَيَكُونُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ إِلَّا أَنَّهُ فِي الْخَيْرِ أَخَصُّ وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا ( ( فَإِنَّهُ ) ) أَيْ إِثَابَتُهُ بِالْخَيْرِ وَالْجَزَاءِ الْحَسَنِ ( ( مِنْ فَضْلِهِ ) ) - تَعَالَى - الزَّائِدِ وَكَرَمِهِ الْجَزِيلِ ; لِأَنَّ أَتْقَى النَّاسِ وَأَعْبَدَهُمْ ، لَا تُعَادِلُ عِبَادَتُهُ وَتَقْوَاهُ نِعْمَةَ إِيجَادِهِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ فَضْلًا عَنْ سَائِرِ نِعَمِهِ - تَعَالَى - عَلَى عَبْدِهِ مِنَ الْبَصَرِ وَالسَّمْعِ وَغَيْرِهِمَا ، وَالْفَضْلُ الْعَطَاءُ عَنِ اخْتِيَارٍ ، لَا عَنْ إِيجَابٍ كَمَا تَزْعُمُهُ الْحُكَمَاءُ ، وَلَا عَنْ وُجُوبٍ كَمَا تَقُولُ الْمُعْتَزِلَةُ ، ( ( وَإِنْ يُعَذِّبْ ) ) عِبَادَهُ وَلَوِ الْمُطِيعِينَ مِنْهُمْ ( ( فَبِمَحْضِ ) ) أَيْ خَالِصِ ( ( عَدْلِهِ ) ) - تَعَالَى ، وَالْمَحْضُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ، فِي اللُّغَةِ : اللَّبَنُ الْخَالِصُ غَيْرُ مَشُوبٍ بِشَيْءٍ ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " بَارَكَ لَهُمْ فِي مَحْضِهَا وَمَخْضِهَا " أَيِ الْخَالِصِ ، وَالْمَمْخُوضِ - يَعْنِي أَنَّهُ لَوْ عَذَّبَهُمْ لَعَذَّبَهُمْ بِعَدْلِهِ الْخَالِصِ مِنْ شَائِبَةِ الظُّلْمِ ; لِأَنَّهُ - تَعَالَى - تَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ . وَالْعَدْلُ : وَضْعُ الشَّيْءِ فِي مَحَلِّهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِرَاضٍ عَلَى الْفَاعِلِ ، عَكْسُ الظُّلْمِ الَّذِي هُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ مَعَ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْفَاعِلِ ، فَطَاعَاتُ الْعَبْدِ وَإِنْ كَثُرَتْ لَا تَفِي بِشُكْرِ بَعْضِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ ، وَلَا بِنِعْمَةِ الْإِقْدَارِ عَلَى الطَّاعَةِ وَالتَّوْفِيقِ لَهَا ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ اسْتِحْقَاقُهُ عِوَضًا عَلَيْهَا ؟ وَاسْتُدِلَّ لِهَذَا بِقَوْلِهِ : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ يَعْنِي لَمْ تَتَصَرَّفْ فِي غَيْرِ مِلْكِكَ ، بَلْ إِنْ عَذَّبْتَ عَذَّبْتَ مَنْ تَمْلِكُ ، وَبِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ وَيَقُولُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِنَّ اللَّهَ لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ ، وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ " . وَبِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي دُعَاءِ الْهَمِّ ، وَالْحُزْنِ : " اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ " . وَبِمَا رُوِيَ عَنْ إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : مَا نَاظَرْتُ بِعَقْلِي كُلِّهِ أَحَدًا إِلَّا الْقَدَرِيَّةَ ، قُلْتُ لَهُمْ : مَا الظُّلْمُ ؟ قَالُوا : أَنْ تَأْخُذَ مَا لَيْسَ لَكَ ، وَأَنْ تَتَصَرَّفَ فِي مَا لَيْسَ لَكَ . قُلْتُ : فَلِلَّهِ كُلُّ شَيْءٍ . وَتَقَدَّمَ هَذَا فِي شَرْحِ قَوْلِهِ : لَكِنَّهُ لَا يَخْلُقُ الْخَلْقَ سُدًى فَلْيُرَاجَعْ ، فَإِنَّ الْإِمَامَ الْمُحَقِّقَ ابْنَ الْقَيِّمِ كَشَيْخِ الْإِسْلَامِ وَجَمْعٍ - لَمْ يَرْتَضُوا بِهَذَا ، وَنَقَّبُوا عَلَيْهِ وَبَرْهَنُوا وَأَثْبَتُوا الْحِكْمَةَ وَالْعِلَّةَ فِي أَفْعَالِهِ - تَعَالَى - عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي شَرَحْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ . وَمَذْهَبُ الْأَشَاعِرَةِ أَنَّ أَفْعَالَ الْبَارِي - تَعَالَى - لَيْسَ مُعَلَّلَةً بِالْأَغْرَاضِ وَالْمَصَالِحِ وَالْغَرَضِ ، مَا لِأَجْلِهِ يَصْدُرُ الْفِعْلُ عَنِ الْفَاعِلِ ، وَيَقُولُونَ : إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَفْعَلُ هَذِهِ الْحَوَادِثَ عِنْدَ الْأَسْبَابِ الْمُقَارِنَةِ لَهَا ، وَإِنَّ ذَلِكَ عَادَةٌ مَحْضَةٌ ، وَيَجْعَلُونَ اللَّامَ فِي أَفْعَالِهِ لَامَ الْعَاقِبَةِ ، لَا لَامَ التَّعْلِيلِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ مُحَرَّرٌ . وَمَذْهَبُ الْمَاتُرِيدِيَّةِ امْتِنَاعُ خُلُوِّ فِعْلِهِ عَنِ الْمَصْلَحَةِ . قَالَ السَّعْدُ : وَالْحَقُّ أَنَّ تَعْلِيلَ بَعْضِ الْأَفْعَالِ لَا سِيَّمَا الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِالْحِكَمِ وَالْمَصَالِحِ - ظَاهِرٌ . وَمَذْهَبُ سَلَفِ الْأَئِمَّةِ عَلَى مَا حَكَاهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي شَرْحِ الْأَصْفَهَانِيَّةِ ، وَأَنَّهُ الْقَوْلُ الْوَسَطُ الْجَامِعُ لِلْحَقِّ الْمُوَافِقُ لِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ ، وَصَرِيحِ الْمَعْقُولِ . وَعَلَيْهِ أَشْهَرُ الطَّوَائِفِ انْتِسَابًا إِلَى السُّنَّةِ هُمْ مُثْبِتَةُ الْقَدَرِ الَّذِينَ يُقِرُّونَ بِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا مِنْ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ ، وَأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ ، وَأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ ، وَيُثْبِتُونَ لِلَّهِ - تَعَالَى - حِكْمَةً يَفْعَلُ لِأَجْلِهَا قَائِمَةً بِهِ - تَعَالَى - لَا مُنْفَصِلَةً عَنْهُ ، وَيُثْبِتُونَ لَهُ رَحْمَةً وَمَحَبَّةً وَرِضًا وَسُخْطًا ، وَيُثْبِتُونَ لِلْحَوَادِثِ أَسْبَابًا تَقْتَضِي التَّخْصِيصَ ، وَيُثْبِتُونَ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ مِنَ الْأَسْبَابِ ، وَالْمَوَانِعِ ، قَالَ : وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ وَصَرِيحِ الْمَعْقُولِ ، وَهُوَ الَّذِي يَجْمَعُ مَا فِي الْأَقْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ مِنَ الصَّوَابِ ، وَيَجْتَنِبُ مَا فِيهَا مِنَ الْخَطَأِ ، قَالَ : فَهَذِهِ طَرِيقَةُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّةِ الدِّينِ ، وَهِيَ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ السَّلَفِ ، فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - بَيَّنَ فِي كِتَابِهِ الْحَقَّ وَأَدِلَّتَهُ بِمَا ضَرَبَهُ فِيهِ مِنَ الْأَمْثَالِ وَسَنَّهُ مِنَ الْبَرَاهِينِ الْعَقْلِيَّةِ . انْتَهَى . قَالَ بَعْضُ مُتَكَلِّمِي الْأَشَاعِرَةِ : إِنَّ الْأَشَاعِرَةَ يَقُولُونَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ; لِأَنَّهُمْ يَمْنَعُونَ الْعَبَثَ فِي أَفْعَالِهِ - تَعَالَى - كَمَا يَمْنَعُونَ الْغَرَضَ ; وَلِذَلِكَ كَانَ التَّعَبُّدِيُّ مِنَ الْأَحْكَامِ مَا لَا يُطَّلَعُ عَلَى حِكْمَتِهِ ، لَا مَا لَا حِكْمَةَ لَهُ ، عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ نَقَلَ عَنِ الْأَشَاعِرَةِ أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَمْنَعُونَ وُجُوبَ التَّعْلِيلِ لَا أَنَّهُمْ يُحِيلُونَهُ ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ ابْنُ عَقِيلٍ الْحَنْبَلِيُّ ، وَاسْتَغْرَبَهُ بَعْضُ الْأَشَاعِرَةِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ وَفَهِمْتَهُ ( ( فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ) ) - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - ( ( فِعْلُ الْأَصْلَحِ ) ) أَيِ الْأَنْفَعِ ( ( وَلَا ) ) يَجِبُ عَلَيْهِ أَيْضًا فِعْلُ ( ( الصَّلَاحِ ) ) لِعِبَادِهِ ، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ ، فَمُعْتَزِلَةُ الْبَصْرَةِ قَالُوا بِوُجُوبِ الْأَصْلَحِ فِي الدِّينِ ، وَقَالُوا : تَرْكُهُ بُخْلٌ وَسَفَهٌ يَجِبُ تَنْزِيهُ الْبَارِي عَنْهُ ، وَمِنْهُمُ الْجُبَّائِيُّ ، وَذَهَبَ مُعْتَزِلَةُ بَغْدَادَ إِلَى وُجُوبِ الْأَصْلَحِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا مَعًا ، لَكِنْ بِمَعْنَى الْأَوْفَقِ فِي الْحِكْمَةِ وَالتَّدْبِيرِ . وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُتَرْجَمَةٌ فِي كُتُبِ الْقَوْمِ بِمَسْأَلَةِ وُجُوبِ الصَّلَاحِ وَالْأَصْلَحِ ، وَحَاصِلُهَا أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ قَالُوا بِوُجُوبِ مَا هُوَ الْأَصْلَحُ لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ - تَعَالَى . وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا بَعْدَ الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْأَصْلَحِ لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ - تَعَالَى - وَعَلَى وُجُوبِ الْإِقْدَارِ وَالتَّمْكِينِ وَأَقْصَى مَا يُمْكِنُ فِي مَعْلُومِ اللَّهِ - تَعَالَى - مِمَّا يُؤْمِنُ عِنْدَهُ الْكَافِرُ وَيُطِيعُ الْعَاصِي ، وَأَنَّهُ - تَعَالَى - فَعَلَ بِكُلِّ أَحَدٍ غَايَةَ مَقْدُورِهِ مِنَ الْأَصْلَحِ ، قَالُوا : وَلَيْسَ فِي مَقْدُورِهِ - تَعَالَى - عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا - لُطْفٌ لَوْ فَعَلَ بِالْكُفَّارِ لَآمَنُوا جَمِيعًا ، وَإِلَّا لَكَانَ تَرْكُهُ بُخْلًا وَسَفَهًا . ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَجِبُ مُرَاعَاةُ الْأَصْلَحِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ، كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا أَوِ الدِّينِ فَقَطْ عَلَى مَا مَرَّ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ الْأَصْلَحِ هَلْ هُوَ الْأَوْفَقُ فِي الْحِكْمَةِ وَالتَّدْبِيرِ ، أَوْ هُوَ الْأَنْفَعُ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا ، ثُمَّ اخْتَلَفَتْ مُعْتَزِلَةُ الْبَصْرَةِ ، فَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَبَرَ الْأَنْفَعَ فِي عِلْمِ اللَّهِ - تَعَالَى . فَأَوْجَبَ مَا عَلِمَ اللَّهُ نَفْعِيَّتَهُ ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْجُبَّائِيُّ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَعْتَبِرْ ذَلِكَ ، فَزَعَمَ أَنَّ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ مِنْهُ الْكُفْرَ عَلَى تَقْدِيرِ تَكْلِيفِهِ إِيَّاهُ يَجِبُ تَعْرِيضُهُ لِلثَّوَابِ بِأَنْ يُبْقِيَهُ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ عَاقِلًا قَادِرًا عَلَى اكْتِسَابِ الْخَيْرَاتِ . وَالْبَغْدَادِيَّةُ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهُمْ فِيهَا شَيْءٌ ، لَكِنَّ الْإِلْزَامَ عَلَيْهِمْ فِي تَخْلِيدِ الْفُسَّاقِ فِي النَّارِ أَشَدُّ قُبْحًا وَشَنَاعَةً ، وَتَمَسَّكُوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ : نَحْنُ نَقْطَعُ بِأَنَّ الْحَكِيمَ إِذَا أَمَرَ بِطَاعَتِهِ أَحَدًا ، وَقَدَرَ عَلَى أَنْ يُعْطِيَ الْمَأْمُورَ مَا يَصِلُ بِهِ إِلَى الطَّاعَةِ مِنْ غَيْرِ تَضَرُّرٍ بِذَلِكَ ، ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْ ؛ كَانَ مَذْمُومًا عِنْدَ الْعُقَلَاءِ ، مَعْدُودًا فِي زُمْرَةِ الْبُخَلَاءِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ دَعَا عَدُوَّهُ إِلَى الْمُوَالَاةِ وَالرُّجُوعِ إِلَى الطَّاعَةِ وَالْمُصَافَاةِ ؛ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَامِلَهُ مِنَ الْغِلَظِ وَاللِّينِ إِلَّا بِمَا هُوَ أَنْجَعُ فِي حُصُولِ الْمُرَادِ وَأَدْعَى إِلَى تَرْكِ الْعِنَادِ . قَالُوا : وَأَيْضًا مَنِ اتَّخَذَ ضِيَافَةً لِرَجُلٍ وَاسْتَدْعَاهُ إِلَى الْحُضُورِ ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَوْ تَلَقَّاهُ بِبِشْرٍ وَطَلَاقَةِ وَجْهٍ لَدَخَلَ وَأَكَلَ ، وَإِلَّا لَمْ يَدْخُلْ ؛ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ الْبِشْرُ ، وَالطَّلَاقَةُ ، وَالْمُلَاطَفَةُ ، لَا أَضْدَادُهَا . وَأَجْلَبُوا وَأَجْنَبُوا مِنْ هَذَا التَّمْوِيهِ الَّذِي لَا يَصْدُرُ إِلَّا مِنْ ضَالٍّ سَفِيهٍ ، وَلِهَذَا قَالَ : ( ( وَيْحَ ) ) هَذِهِ كَلِمَةُ تَرَحُّمٍ وَتَوَجُّعٍ ، تُقَالُ لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ لَا يَسْتَحِقُّهَا ، وَهِيَ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْمَصْدَرِ ، وَقَدْ تُرْفَعُ وَتُضَافُ كَمَا هُنَا ، وَضِدُّهُ " وَيْلٌ " فَإِنَّهَا تُقَالُ لِلْحُزْنِ ، وَالْهَلَاكِ ، وَالْمَشَقَّةِ مِنَ الْعَذَابِ ، وَكُلُّ مَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ دَعَا بِالْوَيْلِ ، وَقِيلَ : " وَيْ " كَلِمَةٌ مُفْرَدَةٌ ، وَلَامُهُ مُفْرَدَةٌ ، وَهِيَ كَلِمَةُ تَفَجُّعٍ وَتَعَجُّبٍ ، فَإِنْ قُلْتَ : كَانَ الْمُنَاسِبُ هُنَا الْإِتْيَانَ بِكَلِمَةِ " وَيْلٌ " لِاقْتِضَاءِ الْمَقَامِ ؛ قُلْتُ : بَلِ الْأَنْسَبُ كَلِمَةُ " وَيْحَ " ; لِأَنَّهُ يَتَوَجَّعُ وَيَتَرَحَّمُ لِإِخْوَانِهِ مِنَ الْمِلَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ ، كَيْفَ اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ وَتَلَاعَبَ بِهِمْ تَلَاعُبَ الصِّبْيَانِ بِالْكُرَةِ وَالصَّوْلَجَانِ ، مَعَ ظُهُورِ أَدِلَّةِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ لِمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ ، فَعَلَى عُقُولِهِمُ الدَّمَارُ ، وَعَلَى فُهُومِهِمُ الْبَوَارُ ( ( مَنْ ) ) أَيْ شَخْصٌ بَالِغٌ عَاقِلٌ ( ( لَمْ يُفْلِحْ ) ) أَيْ لَمْ يَفُزْ بِمُتَابَعَةِ الْحَقِّ ، وَمُوَافَقَةِ الشِّرْعَةِ ، وَرَفْضِ الْبَاطِلِ ، وَمُجَانَبَةِ الْبِدْعَةِ ، وَالْفَلَاحُ مِنَ الْكَلِمَاتِ الْجَوَامِعِ ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ : بَقَاءٌ بِلَا فَنَاءٍ ، وَغِنًى بِلَا فَقْرٍ ، وَعِزٌّ بِلَا ذُلٍّ ، وَعِلْمٌ بِلَا جَهْلٍ ، قَالُوا : فَلَا كَلِمَةَ فِي اللُّغَةِ أَجْمَعَ لِلْخَيْرَاتِ مِنْهَا . وَلِمَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ لَوَازِمُ فَاسِدَةٌ تَدُلُّ عَلَى فَسَادِهِ ، مِنْهَا أَنَّ الْقُرُبَاتِ مِنَ النَّوَافِلِ صَلَاحٌ ، فَلَوْ كَانَ الصَّلَاحُ وَاجِبًا وَجَبَتْ وُجُوبَ الْفَرَائِضِ . وَمِنْهَا أَنَّ خُلُودَ أَهْلِ النَّارِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ صَلَاحًا لَهُمْ دُونَ أَنْ يُرَدُّوا فَيَعْتِبُوا رَبَّهُمْ وَيَتُوبُوا إِلَيْهِ ، وَلَا يَنْفَعُكُمُ اعْتِذَارُكُمْ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُمْ لَوْ رُدُّوا لَعَادُوا ، فَإِنَّ هَذَا حَقٌّ وَلَكِنْ لَوْ أَمَاتَهُمْ وَأَعْدَمَهُمْ فَقَطَعَ عِتَابَهُمْ كَانَ أَصْلَحَ لَهُمْ ، وَلَوْ غَفَرَ لَهُمْ وَأَخْرَجَهُمْ مِنَ النَّارِ كَانَ أَصْلَحَ مِنْ إِمَاتَتِهِمْ وَإِعْدَامِهِمْ ، وَلَمْ يَتَضَرَّرْ - سُبْحَانَهُ - بِذَلِكَ . وَمِنْهَا أَنَّ عَدَمَ خَلْقِ إِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ أَصْلَحُ لِلْخَلْقِ وَأَنْفَعُ ، وَقَدْ خَلَقَهُ الْبَارِي - جَلَّ شَأْنُهُ . وَأَيْضًا إِنْظَارُهُ وَتَمْكِينُهُ وَتَمْكِينُ جُنُوَدِهِ وَجَرَيَانُهُمْ مِنَ الْآدَمِيِّ مَجْرَى الدَّمِ فِي أَبْشَارِهِمْ - يُنَافِي مَذْهَبَهُمْ ، فَكَانَ يَلْزَمُهُمْ أَنْ لَا يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، وَالْوَاقِعُ خِلَافُهُ . وَمِنْهَا مَا أَلْزَمَهُ الْإِمَامُ أَبُو الْحُسْنِ الْأَشْعَرِيُّ لِلْجُبَّائِيِّ ، وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ ثَلَاثَةِ إِخْوَةٍ ، أَمَاتَ اللَّهُ أَحَدَهُمْ صَغِيرًا ، وَأَحْيَا الْآخَرَيْنِ ، فَاخْتَارَ أَحَدُهُمَا الْإِيمَانَ ، وَالْآخِرُ الْكُفْرَ ، فَرَفَعَ اللَّهُ دَرَجَةَ الْمُؤْمِنِ الْبَالِغِ عَنْ أَخِيهِ الصَّغِيرِ فِي الْجَنَّةِ بِعَمَلِهِ ، فَقَالَ أَخُوهُ الصَّغِيرُ : يَا رَبِّ لِمَ لَا بَلَّغْتَنِي مَنْزِلَةَ أَخِي ؟ فَقَالَ : إِنَّهُ عَاشَ وَعَمِلَ عَمَلًا اسْتَحَقَّ بِهِ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ . فَقَالَ : يَا رَبِّ فَهَلَّا أَحْيَيْتَنِي حَتَّى أَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ فَأَبْلُغَ مَنْزِلَتَهُ ؟ فَقَالَ : كَانَ الْأَصْلَحُ لَكَ أَنْ تَوَفَّيْتُكَ صَغِيرًا لِأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّكَ إِنْ بَلَغْتَ اخْتَرْتَ الْكُفْرَ ، فَكَانَ الْأَصْلَحُ لَكَ فِي حَقِّكَ أَنْ أَمَتُّكَ صَغِيرًا . قَالَ الْأَشْعَرِيُّ : فَإِنْ قَالَ الثَّانِي : يَا رَبِّ لِمَ لَمْ تُمِتْنِي صَغِيرًا لِئَلَّا أَعْصِيَ فَلَا أَدْخُلَ النَّارَ ، مَاذَا يَقُولُ الرَّبُّ ؟ فَبُهِتَ الْجُبَّائِيُّ ، وَكَانَ الْأَشْعَرِيُّ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيِّ ، فَتَرَكَ مَذْهَبَهُ . قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ : كَانَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ أَوَّلًا مُعْتَزِلِيًّا ، ثُمَّ تَابَ مِنَ الْقَوْلِ بِالْعَدْلِ وَخَلْقِ الْقُرْآنِ ، فَقَامَ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ بِالْبَصْرَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَرَقَى كُرْسِيًّا ، وَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ : مَنْ عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي فَأَنَا أُعَرِّفُهُ بِنَفْسِي ، أَنَا فُلَانٌ ابْنُ فُلَانٍ ، كُنْتُ أَقُولُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَا يُرَى بِالْأَبْصَارِ ، وَأَنَّ أَفْعَالَ الْبَشَرِ أَنَا أَفْعَلُهَا ، وَأَنَا تَائِبٌ مُقْلِعٌ مُعْتَقِدٌ لِلرَّدِّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ مُخْرِجٌ لِفَضَائِحِهِمْ وَمَعَايِبِهِمْ . قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ : مَوْلِدُ الْأَشْعَرِيِّ سَنَةَ سَبْعِينَ ، وَقِيلَ : سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ بِالْبَصْرَةِ ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ نَيِّفٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ، وَدُفِنَ بَيْنَ الْكَرْخِ وَبَابِ الْبَصْرَةِ . انْتَهَى . قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ : فَإِذَا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَوِ اخْتَرَمَ الْعَبْدَ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَكَمَالِ الْعَقْلِ لَكَانَ نَاجِيًا ، وَلَوْ أَمْهَلَهُ وَسَهَّلَ عَلَيْهِ النَّظَرَ لَعَنَدَ وَكَفَرَ وَجَحَدَ ، فَكَيْفَ يُقَالُ إِنَّ الْأَصْلَحَ فِي حَقِّهِ إِبْقَاؤُهُ حَتَّى يُبْلُغَ ، قَالَ : وَالْمَقْصُودُ عِنْدَكُمْ - يَعْنِي الْمُعْتَزِلَةَ الْقَائِلِينَ بِالْأَصْلَحِ - بِالتَّكْلِيفِ الِاسْتِصْلَاحُ ، وَالتَّفْوِيضُ بِأَسْنَى الدَّرَجَاتِ الَّتِي لَا تُنَالُ إِلَّا بِالْأَعْمَالِ . وَأَيْضًا قَالَ الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ الْأَصْلَحِ : الرَّبُّ - تَعَالَى - قَادِرٌ عَلَى التَّفَضُّلِ بِمِثْلِ الثَّوَابِ ابْتِدَاءً بِلَا وَاسِطَةِ عَمَلٍ ، فَأَيُّ غَرَضٍ لَهُ فِي تَعْرِيضِ الْعِبَادِ لِلْبَلْوَى ، وَالْمَشَاقِّ ؟ وَكَوْنُهُ - تَعَالَى - قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ حَقٌّ ، ثُمَّ كَذَّبُوا وَافْتَرَوْا فَقَالُوا : الْغَرَضُ فِي التَّكْلِيفِ أَنَّ اسْتِيفَاءَ الْمُسْتَحِقِّ حَقَّهُ أَهْنَأُ وَأَلَذُّ مِنْ قَبُولِ التَّفَضُّلِ وَاحْتِمَالِ الْمِنَّةِ . وَهَذَا كَلَامُ أَجْهَلِ الْخَلْقِ بِالرَّبِّ - تَعَالَى - وَبِحَقِّهِ وَعَظَمَتِهِ ، وَمُسَاوَاةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آحَادِ النَّاسِ ، وَهُوَ مِنْ أَقْبَحِ التَّشْبِيهِ وَأَخْبَثِهِ ، تَعَالَى عَنْ ضَلَالِهِمْ وَإِفْكِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا . وَأَيْضًا يَلْزَمُ الْقَائِلِينَ بِوُجُوبِ الْأَصْلَحِ أَنْ يُوجِبُوا عَلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنْ يُمِيتَ كُلَّ مَنْ عَلِمَ مِنَ الْأَطْفَالِ أَنَّهُ لَوْ بَلَغَ لَكَفَرَ وَعَانَدَ ، فَإِنَّ اخْتِرَامَهُ هُوَ الْأَصْلَحُ لَهُ بِلَا رَيْبٍ ، أَوْ أَنْ يَجْحَدُوا عِلْمَهُ سُبْحَانَهُ بِمَا سَيَكُونُ قَبْلَ كَوْنِهِ الْتَزَمَهُ سَلَفُهُمُ الْخَبِيثُ الَّذِينَ اتَّفَقَ سَلَفُ الْأُمَّةِ عَلَى تَكْفِيرِهِمْ ، وَلَا خَلَاصَ لَهُمْ عَنْ أَحَدِ هَذَيْنِ الْإِلْزَامَيْنِ إِلَّا بِالْتِزَامِ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مِنْ أَنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ شَرَائِعِ عُقُولِهِمُ الْقَاصِرَةِ ، وَلَا تُقَاسُ بِأَفْعَالِهِمُ الْخَاسِرَةِ ، بَلْ أَفْعَالُهُ - تَعَالَى - لَا تُشْبِهُ أَفْعَالَ خَلْقِهِ ، وَلَا صِفَاتُهُ صِفَاتِهِمْ ، وَلَا ذَاتُهُ ذَوَاتِهِمْ ، إِذْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ . وَأَيْضًا يَلْزَمُهُمْ أَنَّ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ - تَعَالَى - إِذَا بَلَغَ مِنَ الْأَطْفَالِ يَخْتَارُ الْإِيمَانَ ، وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ - أَنْ لَا يُمِيتَهُ طِفْلًا ، فَإِنَّ الْأَصْلَحَ فِي حَقِّهِ أَنْ يُحْيِيَهُ حَتَّى يَبْلُغَ وَيُؤْمِنَ وَيَعْمَلَ صَالِحًا ، فَيَنَالَ بِذَلِكُمُ الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَةَ ، وَهَذَا مَا لَا جَوَابَ لَهُمْ عَنْهُ ، وَأَيْضًا يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَقُولُوا لَيْسَ فِي مَقْدُورِ اللَّهِ - تَعَالَى - لُطْفٌ لَوْ فَعَلَهُ - تَعَالَى - بِالْكُفَّارِ لَآمَنُوا ، وَقَدِ الْتَزَمَهُ الْمُعْتَزِلَةُ الْقَدَرِيَّةُ ، وَبَنَوْهُ عَلَى أَصْلِهِمُ الْفَاسِدِ ، أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - أَنْ يَفْعَلَ فِي حَقِّ كُلِّ عَبْدٍ مَا هُوَ الْأَصْلَحُ لَهُ ، فَلَوْ كَانَ فِي مَقْدُورِهِ مَا يُؤْمِنُ الْعَبْدُ عِنْدَهُ لَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَهُ بِهِ ، وَالْقُرْآنُ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ يَرُدُّ هَذَا الْقَوْلَ وَيُكَذِّبُهُ وَيُخْبِرُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَنَّهُ لَوْ شَاءَ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ، وَلَوْ شَاءَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا . وَأَيْضًا يَلْزَمُهُمْ - وَقَدِ الْتَزَمُوهُ - أَنَّ لُطْفَهُ - تَعَالَى - وَنِعْمَتَهُ وَتَوْفِيقَهُ بِالْمُؤْمِنِ كَلُطْفِهِ بِالْكَافِرِ ، وَأَنَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمَا سَوَاءٌ ، لَمْ يَخُصَّ الْمُؤْمِنَ بِفَضْلٍ عَنِ الْكَافِرِ ، وَكَفَى بِالْوَحْيِ وَصَرِيحِ الْمَعْقُولِ وَفِطْرَةِ اللَّهِ وَالِاعْتِبَارِ الصَّحِيحِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ رَدًّا لِهَذَا الْقَوْلِ وَتَكْذِيبًا لَهُ . وَأَيْضًا مَا مِنْ أَصْلَحَ إِلَّا وَفَوْقَهُ مَا هُوَ أَصْلَحُ مِنْهُ ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى رُتْبَةٍ وَاحِدَةٍ كَالِاقْتِصَارِ عَلَى الصَّلَاحِ ، فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِكُمْ يَجِبُ مُرَاعَاةُ الْأَصْلَحِ إِذْ لَا نِهَايَةَ لَهُ ، فَلَا يُمْكِنُ فِي الْفِعْلِ رِعَايَتُهُ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَلْزَمُ الْقَائِلِينَ بِالصَّلَاحِ وَالْأَصْلَحِ ، فَإِنَّهُ - تَعَالَى - خَلَقَ الْكَافِرَ الْفَقِيرَ الْمُعَذَّبَ فِي الدُّنْيَا بِالْأَسْقَامِ ، وَالْآلَامِ ، وَالْمِحَنِ ، وَالْآفَاتِ مَعَ الْكُفْرِ ، وَالْهَفَوَاتِ ، وَكَيْفَ يَنْهَضُ لَهُمْ دَلِيلٌ وَخُلُودُ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ لَيْسَ بِأَصْلَحَ لَهُمْ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية