الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا أَرَادَ هُدَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَكَانَ عُمَرُ مِنْ أَشَدِّ قُرَيْشٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَغَبًا، وَأَكْثَرِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ أَذًى. وَكَانَ السَّبَبُ فِي إِسْلَامِهِ أَنَّ أُخْتَهُ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْخَطَّابِ كَانَتْ تَحْتَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَكَانَتْ قَدْ أَسْلَمَتْ، وَأَسْلَمَ زَوْجُهَا سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، وَهُمْ يَسْتَخْفُونَ بِإِسْلَامِهِمْ مِنْ عُمَرَ، وَكَانَ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ النَّحَّامِ قَدْ أَسْلَمَ، وَكَانَ يُخْفِي إِسْلَامَهُ، وَكَانَ خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ يَخْتَلِفُ إِلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ الْخَطَّابِ يُقْرِئُهَا الْقُرْآنَ، فَخَرَجَ عُمَرُ يَوْمًا مُتَوَشِّحًا بِسَيْفِهِ يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَكَرَ لَهُ أَنَّهُمْ قَدِ اجْتَمَعُوا فِي بَيْتٍ عِنْدَ الصَّفَا، وَهُمْ قَرِيبٌ مِنْ أَرْبَعِينَ بَيْنَ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ، وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمْزَةُ، وَعَلِيٌّ، وَأَبُو بَكْرٍ، فِي رِجَالٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ أَقَامَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ، وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَلَقِيَ نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ فَقَالَ: أُرِيدُ مُحَمَّدًا، هَذَا الصَّابِئَ الَّذِي فَرَّقَ أَمْرَ قُرَيْشٍ، وَسَفَّهَ أَحْلَامَهَا، وَعَابَ دِينَهَا، وَسَبَّ آلِهَتَهَا فَأَقْتُلُهُ، فَقَالَ لَهُ نُعَيْمٌ: وَاللَّهِ لَقَدْ غَرَّتْكَ نَفْسُكَ مِنْ نَفْسِكَ يَا عُمَرُ! أَتَرَى أَنَّ عَبْدَ مَنَافٍ تَارِكِيكَ تَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ، وَقَدْ قَتَلْتَ مُحَمَّدًا! أَفَلَا تَرْجِعُ إِلَى أَهْلِ بَيْتِكَ فَتُقِيمُ أَمْرَهُمْ! قَالَ: وَأَيُّ أَهْلِ بَيْتِي؟ فَقَالَ: خَتَنُكَ وَابْنُ عَمِّكَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، وَأُخْتُكَ، فَقَدْ أَسْلَمَا وَبَايَعَا مُحَمَّدًا عَلَى دِينِهِ، فَعَلَيْكَ بِهِمَا! فَرَجَعَ عُمَرُ عَامِدًا لِخَتَنِهِ وَأُخْتِهِ، وَعِنْدَهُمَا خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ، وَمَعَهُ صَحِيفَةٌ فِيهَا " طه " يُقْرِئُهَا إِيَّاهُمَا، فَلَمَّا سَمِعُوا حِسَّ عُمَرَ تَغَيَّبَ خَبَّابٌ فِي مَخْدَعٍ لَهُمْ، وَأَخَذَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطَّابِ الصَّحِيفَةَ فَجَعَلَتْهَا تَحْتَ فَخِذِهَا، وَقَدْ سَمِعَ حِينَ دَنَا مِنَ الْبَيْتِ قِرَاءَتَهُمَا عَلَيْهِ، فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ: مَا هَذِهِ الْهَيْنَمَةُ الَّتِي سَمِعْتُ؟ قَالَا لَهُ: مَا سَمِعْتَ شَيْئًا، قَالَ: بَلَى وَاللَّهِ، لَقَدْ أُخْبِرْتُ أَنَّكُمَا بَايَعْتُمَا مُحَمَّدًا عَلَى دِينِهِ، وَبَطَشَ بِخَتَنِهِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، فَقَامَتْ إِلَيْهِ أُخْتُهُ فَاطِمَةُ لِتَكُفَّهُ عَنْ زَوْجِهَا، فَضَرَبَهَا فَشَجَّهَا، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ، قَالَتْ لَهُ أُخْتُهُ وَخَتَنُهُ: نَعَمْ قَدْ أَسْلَمْنَا، وَآمَنَّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ! فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا بِأُخْتِهِ مِنَ الدَّمِ نَدِمَ عَلَى مَا صَنَعَ ارْعَوَى، وَقَالَ لِأُخْتِهِ: أَعْطِينِي هَذِهِ الصَّحِيفَةَ الَّتِي سَمِعْتُكُمْ تَقْرَؤُونَ آنِفًا أَنْظُرُ مَا هَذَا الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ، وَكَانَ عُمَرُ كَاتِبًا، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ، قَالَتْ لَهُ أُخْتُهُ: إِنَّا لَنَخْشَاكَ عَلَيْهَا، قَالَ: لَا تَخَافِي، وَحَلَفَ لَهَا بِآلِهَتِهِ لَيَرُدَّهَا إِلَيْهَا، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ طَمِعَتْ فِي إِسْلَامِهِ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا أَخِي، إِنَّكَ نَجِسٌ عَلَى شِرْكِكَ، وَإِنَّهُ لَا يَمَسُّهَا إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، فَقَامَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ أَعْطَتْهُ الصَّحِيفَةَ، وَفِيهَا " طه "، فَلَمَّا قَرَأَ سَطْرًا مِنْهَا، قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا الْكَلَامَ، فَلَمَّا سَمِعَ خَبَّابٌ ذَلِكَ خَرَجَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عُمَرُ، وَاللَّهِ لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَصَّكَ اللَّهُ بِدَعْوَةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَيِّدِ الْإِسْلَامَ بِأَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: دُلَّنِي عَلَيْهِ يَا خَبَّابُ حَتَّى آتِيَهُ فَأُسْلِمَ، فَقَالَ لَهُ خَبَّابٌ: هُوَ فِي بَيْتٍ عِنْدَ الصَّفَا، مَعَهُ فِيهِ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَخَذَ عُمَرُ سَيْفَهُ فَتَوَشَّحَهُ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَلَمَّا بَلَغَ ضَرَبَ عَلَيْهِ الْبَابَ، فَلَمَّا سَمِعَ الْمُسْلِمُونَ صَوْتَهُ، قَامَ رَجُلٌ فَنَظَرَ مِنْ خِلَالِ الْبَابِ، فَرَآهُ مُتَوَشِّحًا بِالسَّيْفِ، فَقَالَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: ائْذَنْ لِي، فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ خَيْرًا بِهِ لَنَالَهُ، وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ شَرًّا قَتَلْنَاهُ بِسَيْفِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ائْذَنْ لَهُ، فَأَذِنَ لَهُ الرَّجُلُ، وَنَهَضَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى لَقِيَهُ فِي الْحُجْرَةِ، فَأَخَذَ بِحُجْزَتِهِ ثُمَّ جَبَذَهُ جَبْذَةً عَظِيمَةً، وَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ وَاللَّهِ مَا أَرَى أَنْ تَنْتَهِيَ حَتَّى يُنْزِلَ اللَّهُ بِكَ قَارِعَةً، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُكَ لِأُومِنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَبِمَا جِئْتَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، قَالَ: فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكْبِيرَةً عَرَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ عُمَرَ أَسْلَمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عُمَرُ اسْتُرْهُ، فَقَالَ عُمَرُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَعْلَنْتُهُ كَمَا أَعْلَنْتُ الشِّرْكَ ! فَتَفَرَّقَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ عَزُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ حِينَ أَسْلَمَ عُمَرُ وَحَمْزَةُ، وَعَرَفُوا أَنَّهُمَا سَيَمْنَعَانِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلِذَلِكَ كَانَ يَقُولُ ابْنُ مَسْعُودٍ : مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُذْ أَسْلَمَ عُمَرُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية